Connect with us

فلسطين

ميكيس ثيوذوراكيس..الموسيقار والمناضل الأممي

“القدس” دوت كوم – احمد حفناوي- في انفتاحة ذراعيه حين كان يقود الأوركسترا احتضن امة بأكملها، وبعد قرابة قرن من العطاء ترك في كل من عرفه شيء منه. كان اليوناني والعالمي معاً، والموسيقار والسياسي معاً أيضاً. الثائر والمرشح لجائزة نوبل للسلام. حُكِمَ عليه بالإعدام ودُفِنَ حياً بكل ما للكلمة من معني، وعاش إلى ان أكمل عامه السادس والتسعين. “كم مرة رقصت مع الموت؟ كم مرة احتسيت النبيذ مع الموت؟ وكم مرة انتصرت على الموت؟ ألن تأتي اللحظة التي سينتصر بها علي؟ هذه هي البيولوجيا”…هكذا هيأ شعبه لرحيله لأسبابٍ بيولوجية في إحدى أخر مقابلاته، وكأنه يعلم جيداً بأنه سيبقى حاضراً بأعماله ما حضرت الأكروبوليس. 

إنه الموسيقار العالمي والمناضل الشيوعي الأممي ميكيس ثيوذوراكيس، الذي رحل عنا جسداً في الثاني من أيلول في بيته المتواضع قبالة الأكروبوليس في العاصمة اليونانية أثينا. وهو سادس شخصية في تاريخ الدولة اليونانية الذي يعلن فور وفاته الحداد الوطني لمدة ثلاث أيام وتنكس الأعلام على كافة المباني والمؤسسات الحكومية وحتى على الأكروبوليس.

ألًفَ أولى ألحانه في عمر الثالثة عشر، وكانت الموسيقى الكنسية البيزنطية والسيمفونية التاسعة لبتهوفن الشرارات الأولى التي أيقظت بركان إنتاجه الموسيقي. بعد تخرجه من معهد الموسيقى في أثينا، ذهب في بداية خمسينيات القرن الماضي إلى باريس لدراسة الموسيقى السيمفونية وقيادة الأوركسترا. ولكن لماذا السمفونية؟ يقول ميكيس في إحدى لقاءاته المتلفزة ” ولّدَت لدي ساعات التأمل الطويلة في معبد الأكروبوليس قناعة بأن المهندس إكتينوس من خلال بنائه لهذا المعبد قد قام بالقطع الذهبي ما بين عصور الظلام والحضارة، وشكل المعبد التجسيد الأكمل للهارمونية، فقررت أن أبحث عن هذه الهارمونية فيما أجيده، أي الموسيقى”. فعلياً، لا غبار على معتقد ثيوذوراكيس، فقد شكل المعبد الذي شيده اليونان قبل ألفين وخمسمائة عام في العصر الذهبي أعجوبة العصر، ولا غرابة أن إعتبره العالم رمزاً للحضارة الغربية واعتمدت منظمة العلوم والثقافة اليونيسكو تصميمه بشكله المبسط شعاراً لها.

عملياً، كان ثيوذوراكيس في تلك الفترة قد عاش كل تداعيات الحرب العالمية الأولى والثانية على اليونان، بما يشمل وقوعها تحت الاحتلال النازي والفاشية الإيطالية، والحرب الأهلية بعد تمكن اليونان من الخلاص من هذه الاحتلالات. كل ذلك من خلال حركات التحرر الشيوعية واليسارية منها التي كانت تطمح لتأسيس مجتمع يوناني يعيش فيه الجميع بهارمونية وتناغم، وبالطبع انعكس ذلك على إبداعه الموسيقي، فإلى أن أنهى دراسته في باريس كان قد ألف تسع أعمال سيمفونية والعديد من أعمال الأوبريت وموسيقى الأفلام. بالإضافة إلى ذلك كان قدم لحن المدينة الجميلة Les amants de Teruel لأيقونة الغناء الفرنسي إديث بياف.

لم يكن نجاح هذا العمل بعيداً من ناحية زمنية عن تعاونه مع أنجح فرق التاريخ، أي البيتلز، وذلك عندما قدم لهم لحن أغنية The Honeymoon، وهي ذات الفترة التي رأت فيها موسيقى زوربا العالمية النور، وفُتِحَت أبواب العالمية على مصرعيها لثيوذوراكيس. ولكن ماذا عن اليونان التي كانت تمر في حقبة إعادة تشكيل هويتها السياسية والحضارية؟ كان لحدث على هامش تقديمه أوبرا أنتيجونا على مسرح دار الأوبرا الملكية في لندن الأثر الأكبر في دخول إبداعه الموسيقي مرحلة جديده. يقول ميكيس: “بعد إنتهاء العرض وأثناء تصفيق الحضور، نظرت لهم، وكانوا بحكم المكان وطبيعة العرض من الطبقة الراقية، وسألت نفسي: هل تعلمت الموسيقي كي أكتب لذوي القبعات المنمقة؟” وبعد فترة من التأمل تشبه تلك التي في معبد الأكروبوليس إتخذ ثيوذوراكيس قراراً بأن يذهب بموسيقاه في منحى أخر، لا طبقية فيه، ولا حدود لها، شمولية تبتعد كل البعد عن الفصل على أساس الخلفية المجتمعية، الدين، القومية، وحتى الجغرافيا واللغة.

ارتكز ميكيس في هذه المرحلة على ثلاث عناصر أدت في المحصلة إلى اعتباره أهم موسيقار في القرن العشرين. كانت الأولى إدراكه بأن جمهوره يجب أن يكون من عامة الشعب الذي يشكل أغلبيته أيضا، لذلك لجئ إلى تحليل الموسيقى الشعبية اليونانية والتي كانت آلة البزق الالة الأساسية بها، بالإضافة إلا الإيقاع والجيتار وانتهى الأمر، واستغنى عن التوزيع الأوركسترالي الغربي، رغم تعرضه للانتقادات جراء ذلك، فهي آلة شرقية تركية، ولم يكن الشعب اليوناني قد شفي تمام من أثر احتلال تركي ومحاولة لطمس هويته استمرت على مدار خمس قرون من الزمن. لكن رد ثيوذوراكيس على هذا النقد ارتكز على مفهومه القائل: “ولماذا لا للبزق الشرقي؟  فلطالما كانت اليونان حلقة الوصل بين الشرق والغرب ليس جغرافياً فحسب، فمن جهة هي مهد الحضارة الغربية، ومن الجهة الأخرى هي مهد الإسكندر العظيم الذي انطلق لنشرها في الشرق وربطها بالغرب، فلا ضير من تجسيد ذلك في أعمال موسيقية نالت كلماتها جوائز غربية وأن تقدم بتوزيع أشبه بشرقي”.

وكانت الشمولية لثيوذوراكيس تعني أيضا ردم الهوه ما بين اليوناني العام الذي يجيد القراءة والكتابة وبين أبلغ ما خرجت اليونان في العصر الحديث من شعراء وكتاب وهذا يشكل العنصر الثاني. حيث استطاع بفطرته الموسيقية وبكونه شاعراً أيضاً أن يرى الموسيقى في شعر جورج سيفيرس الحائز على جائزة نوبل للآداب في عام 1963، وأن يسمع الموسيقى في أشعار أوديسياس إليتيس الحائز أيضا على جائزة نوبل للآداب في العام 1979، وكذلك الحال مع الشاعر يانيس ريتسوس وغيرهم من عمالقة الأدب اليوناني. واستطاع ثيوذوراكيس بعبقريته الموسيقية أن ينزل كل هذه الكوكبة من الشعراء من عليائها في رفوف مكاتب البعض ويلحن قصائدها ويقدمها للجمهور بتوزيع موسيقي شعبي ملتزم. فكان السهل الممتنع، ولقاء قمم الأدب مع قمة الموسيقي في كل شارع وبيت وحانه. وخلال عقد من الزمن لا أكثر أصبحت القصيدة التي حازة على جائزة نوبل للآداب أغنية اليونان الشعبية المحفوظة عن ظهر قلب، وأصبحت نغمات الموسيقى الشعبية والبزق الآلة الموسيقية التي دخلت دار الأوبرا أيضا.

لم يَرُق ذلك لدكتاتورية العسكر الذي استولى على الحكم بدعم أمريكي في محاولة من الأخيرة وقف النفوذ السوفيتي في دول البلقان، وخاصة أن أعمال ثيوذوراكيس الوطنية كانت تدعو للكفاح ضد الأنظمة القمعية والنضال من أجل حرية الأرض والإنسان. فمنعت الرقابة العسكرية كافة أعماله، وصادرت أسطواناته من المنازل والمقاهي والإذاعات. وفي بدايتها عام 1967 فرضت عليه الإقامة الجبرية، ثم السجن والتعذيب المفرط، ثم الحكم بالإعدام وذلك نظراً لأنه لم يتوقف ليوم واحد عن كتابة الأغاني المقاومة وإرسالها لرفاقه الموسيقيين خارج السجن داخل علب السجائر. وقبيل تنفيذ حكم الإعدام وصلت رسالة من الإتحاد السوفيتي لقادة الحكم العسكري مفادها أنه في حال تم تنفيذ حكم الإعدام فإن على الديكتاتورية الحاكمه أن تستعد لرد الإتحاد السوفيتي على ذلك. عندها رضخت الديكتاتورية لهذا التهديد، وانصاعت لمطالب الحملة الدولية لمثقفين وأدباء عالميين بالإفراج عنه، وقبِلت بهبوط طائره فرنسية في أثينا لتنقله إلى باريس، ليس لتعلم قيادة الأوركسترا، ولكن لقيادة شعب من منفاه الجديد.

لما تدرك دكتاتورية العسكر بأنها بقرارها نفي ثيوذوراكيس قد ضربت بنفسها أولى مسامير نعشها. فهذا الموسيقار المناضل الثائر الذي عانى وسَجِنَ وعُذِب ونُفي من قبل النازية والفاشية جند منحته الإلهية لمحاصرة كل الأنظمة الدكتاتورية في العالم، وكانت هذه الركيزة الثالثة التي جعلت من ثيوذوراكيس الموسيقار العالمي. فمن منفاه أنطلق لكافة أصقاع الأرض يغني ويلحن لكافة الشعوب المقاومة للظلم والمطالبة بالحرية والاستقلال للإنسان. قدم الحفلات في أمريكا اللاتينية، ولحّن أشعار بابلو نيرودا، أهم شاعر في القرن العشرين باللغة التي يتكلمها أكثر من خمسمائة مليون إنسان. ترك بصمته في الشرق، وناصر ثوراتها ضد الاستعمار والاحتلال في مصر، والتقى الزعيم العربي جمال عبد الناصر في أوج مشروعه العربي الوحدوي. وقدم للشعب الفلسطيني لحناً لنشيده الوطني أبان الثورة، وذهب بشخصه ووزنه العالمي ليعبر عن تضامنه معه في حصار بيروت عام 1982.

بعد سقوط حكم العسكر في اليونان عام 1974 على أنغام ألحانه الوطنية أبان إنتفاضة طلاب الجامعات، والمطالبة بترسيخ الديمقراطية، عاد ثيوذوراكيس إلى وطنه، وكان تصريحه ” كرامنليس أو الدبابات” النقطة المفصلية في استقرار النظام السياسي في اليونان. حيث كان هو من اقترح دعوة الزعيم اليميني كرامنليس من منفاه في فرنسا ليتولى زمام الأمور، وإن كان ثيوذوراكيس يسارياً. إلا أن إيمانه في نظام ديمقراطي هارموني يتسع للجميع غلب على خيار عودة دبابات حكم العسكر. وقد دخلت التاريخ أولى حفلاته بعد سقوط حكمهم، حيث كانت أولى الحفلات في تاريخ اليونان المعاصر التي يمتلئ بها إستاد كرة قدم بالكامل بين مدرجات وأرضية ملعب توسطها ثيوذوراكيس يقود فرقته وهي تغني لحرية الإنسان واستقلاله.

وإلى أن وافته المنية صباح الثاني من أيلول، بقي ثيوذوراكيس الموسيقار الذي تحتفل اليونان على وقع ألحانه في كافة مناسباتها الوطنية، كما كان أول من استدعته ألمانيا ليقدم حفل على أنقاض سور برلين فور سقوطه. وكان أول من أقام حفلات موسيقية في إسطنبول في محاولة منه لبناء جسر من السلام والثقة بين اليونان وغريمتها تركيا. ووقع علية الإختيار ليحي حفلا موسيقيا أبان توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل كونه من لحن النشيد الوطني الفلسطيني ومؤلف ثلاثية ماوتهاوزن للشاعر ياكوب كابانيلي والتي وصف بها علاقة غرامية لمحتجزين يهود في معسكر الاعتقال النازي في النمسا.

فلا غرابة إن أحتفل اليونان كل عام بعيد ميلاده في الملعب الأولمبي التاريخي بحضور رئيس الدولة والحكومة و البرلمان وصفوة المغنيين وسبعون ألف من الجمهور. ولا غرابة أن يكون ثيوذوراكيس سادس شخصية منذ قيام الدولة اليونانية الحديثة قبل مئتي عام أن تعلن الحكومة الحداد العام وتنكيس الأعلام لمدة ثلاث أيام فور وفاته، وأن يسجى جسده لثلاثة أيام في ظل الأكروبوليس ليلقي عليه شعب بأكمله نظرة الوداع.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *