Connect with us

أقلام وأراء

“القدس” تبدأ بنشر كتاب الاستاذ نبيل عمرو “أطول أيام الزعيم”

في مثل هذا اليوم من العام 1982 اكتملت الترتيبات لاخراج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت، وخروج ياسر عرفات الى أثينا ثم الى تونس.

كانت الترتيبات أمريكية دولية قادتها الولايات المتحدة من خلال ممثلها الأعلى اللبناني الأصل فيليب حبيب، وبمساعدة من حلف شمال الأطلسي الذي تولى مواكبة السفن المغادرة الى المنافي البعيدة ما وراء البحر.

القدس سوف تبدأ بنشر كتاب نبيل عمرو “أطول أيام الزعيم” تقديم الكاتب الصحفي اللبناني خير الله خير الله.

المقدمة

خير الله خير الله

في كتاب نبيل عمرو “أطول أيام الزعيم” كلّ الحب لبيروت ولبنان من فلسطيني عاش في العاصمة اللبنانية طويلا وخرج منها صيف العام 1982 مع المقاتلين الفلسطينيين اثر الاجتياح الإسرائيلي الذي قاده ارييل شارون.

في جانب من الكتاب، يظهر نبيل عمرو وفاء، من النوع الذي قلّ نظيره، لبيروت وأهلها الذين يحبون الحياة. انّه وفاء من من رجل يمتلك الكثير من المنطق والتجارب التي جعلت منه مراقبا محايدا لما يدور حوله وليس مجرّد احد مساعدي ياسر عرفات ومسؤول عن الاذاعة الفلسطينية خلال وجوده في بيروت.

يظلّ الكتاب أيضا شهادة لرجل، صادق مع نفسه اوّلا. لم يوجد من يرسم شخصية ياسر عرفات افضل من نبيل عمرو. رسم ياسر عرفات مرّة أخرى بدقّة وموضوعية تجعله اقرب الى كاميرا تلتقط الصورة والعواطف الانسانية في الوقت ذاته. تلك ميزة نبيل عمرو الذي سبق له ان كتب عن ياسر عرفات والأسباب التي كانت تجعله قبل توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993 مستعدا لاي مناورة او مغامرة طائشة من اجل ان يكون على ارض صلبة، اكان ذلك في فلسطين او خارج فلسطين. وهذا ما جعل “أبو عمّار” يفكّر في سنوات ما قبل قبل خروجه من لبنان في بناء مطار في بعدران في جبال الشوف من دون اخذ في الاعتبار للتوازن العسكري ولقدرة إسرائيل على تدميره بسهولة فائقة. هذا ما جعله أيضا يتخّذ قرارا بالعودة الى طرابلس، عاصمة الشمال اللبناني في مرحلة ما بعد مغادرة المقاتلين الفلسطينيين للبنان صيف 1982.

طُرد ياسر عرفات من طرابلس على يد النظام السوري، غادر المدينة بحرا بحماية فرنسية. قبل ذلك غادر بيروت بضغط إسرائيلي… وحماية اطلسية.

من الصعب فهم شخصية ياسر عرفات بكلّ تعقيداتها من دون الغوص في عقله وطريقة تفكيره التي مكنته من ان يكون الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني. لا يمكن فهم شخصية ياسر عرفات من دون امتلاك القدرة على فهم انهّ رجل بسيط ومتقشف وفي غاية التعقيد في الوقت ذاته. في هذه القدرة على اختزال التناقضات في شخص “أبو عمّار”، تكمن اهمّية كتاب نبيل عمرو. من اكثر المشاهد غرابة التي تستوقف القارئ العادي التي يحويها كتاب نبيل عمرو، مشهد “أبو عمّار” يخيط بنفسه رقعة في ثيابه بعد لجوئه الى احدى الشقق في بيروت، فيما القذائف الإسرائيلية تلاحقه من مكان الى آخر.

يكشف الكتاب علاقة ياسر عرفات بالناس وبمرافقيه، على رأسهم فتحي الذي كان يلازمه في بيروت. يكشف أيضا علاقة ياسر عرفات بقادة “الحركة الوطنية” في لبنان. في مقدّم هؤلاء محسن إبراهيم الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي الذي بقي على علاقة صداقة قويّة بياسر عرفات بعد خروجه من بيروت.

لكنّ اهمّ ما يتحدّث عنه الكتاب هو الأدوار التي لعبها قادة فلسطينيون كبار في اثناء الاجتياح الإسرائيلي ومحاصرة بيروت وياسر عرفات في مربّع لا تزيد مساحته على أربعة كيلومترات. ابرز هؤلاء خليل الوزير (أبو جهاد) الذي قاد معركة طويلة مع الإسرائيليين في منطقة المتحف، وقبل ذلك في الجنوب اللبناني، وصلاح خلف (أبو ايّاد) الذي لم يكن يكلّ في التنقل بين الجبهات معرّضا نفسه لكلّ المخاطر. كان لدى نبيل عمرو تفسير في غاية البساطة للدور الذي لعبه “أبو ايّاد” في اثناء الغزو. كان يريد جعل الناس تنسى ما حدث معه في الأردن لدى حصول المواجهة بين المسلّحين الفلسطينيين والجيش الأردني في العام 1970. وقتذاك، وقع “أبو ايّاد” في الاسر باكرا واضطر الى توجيه كلمة عبر الاذاعة الأردنية تدعو الى التهدئة. كان “أبو ايّاد” يريد بكل بساطة إعادة الاعتبار لنفسه من خلال تصديه للاجتياح الإسرائيلي للبنان.

يفرد نبيل عمرو مساحة لا بأس بها للدور الذي لعبه العميد سعد صايل (أبو الوليد) في الدفاع عن المواقع الفلسطينية وإدارة المفاوضات غير المباشرة في الوقت ذاته مع الاميركيين من اجل تأمين خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان. كان “أبو الوليد” مفاوضا بارعا وقائدا عسكريا استثنائيا، لكن ياسر عرفات كان يريد ثمنا سياسيا للخروج. حصل على جزء من هذا الثمن، او اعتقد ذلك، لكنّه اضطر ايضا الى توجيه رسالة شكر وامتنان الى حافظ الأسد، الرجل الذي كان يكرهه، لانّه سمح بانتقال اكبر عدد من المقاتلين الفلسطينيين الى الأراضي السورية من لبنان. ما يوضحه الكتاب ان ذلك لم يكن ممكنا لولا الضغط الاميركي على نظام الأسد.

ظنّ ياسر عرفات ان معركة بيروت سمحت له بان يصبح “رقما في المعادلة الإقليمية”. في الواقع، ما حصل عليه في مقابل خروجه من لبنان هو رسالة تقول: “ان بامكانكم الآن البحث في الامر مع المصريين”.

كتاب نبيل عمرو الذي يروي احداث الايّام الأخيرة لياسر عرفات في بيروت، كتاب مشوّق فيه الكثير من التفاصيل، بما في ذلك تضايق اهل بيروت وزعماء السنّة من مماطلة ياسر عرفات في الخروج من لبنان ومطالبتهم بان يقول لهم هل لديه خيار آخر لا يعرفون عنه.

ما اتذكره شخصيا عن تلك المرحلة التي كنت فيها رئيسا للقسم العربي والدولي في صحيفة “النهار”، كبرى الصحف اللبنانية وقتذاك، ان جانبا كبيرا في المفاوضات غير المباشرة مع الاميركيين ومع مبعوثهم الخاص فيليب حبيب، قام به الرئيس صائب سلام. في احدى الجلسات مع الزعماء السنّة، وكان بينهم الرئيس تقيّ الدين الصلح أيضا، غادر “أبو عمّار” الاجتماع واجرى ما سمّاه “استخارة”. قرّر بعد ذلك انّه آن أوان الخروج من بيروت. سقط على العاصمة اللبنانية في احد الايّام  120 الف قذيفة ودمّرت بناية، عن بكرة ابيها، في محلة الصنايع. كان الإسرائيليون يعتقدون ان ياسر عرفات في تلك البناية، لكنّهه نجا من الموت باعجوبة. كان ذلك اليوم إشارة واضحة الى ان لا بديل من الخروج من بيروت ولبنان. على الرغم من ذلك، بقي ياسر عرفات يبحث عن ثمن سياسي لقاء الاقدام على خطوة حاسمة في هذا الاتجاه. 

حدث ذلك قبل 38  عاما. خرج المسلّحون الفلسطينيون اخيرا من لبنان. وضعهم، كفلسطينيين أصحاب قضيّة عادلة، نظرا الى انّها قضيّة شعب، ليس افضل الآن. وضع لبنان ليس افضل أيضا. يمرّ لبنان في مرحلة لا يحسد عليها بعدما حلّ الوجود المسلح الايراني مكان الوجود المسلّح الفلسطيني، عبر ميليشيا مذهبيّة لبنانية تسمّي نفسها “حزب الله”.

ما كان يفترض ان يفتح أبواب الامل، انّما اغلقها كلّيا. الأسوأ من ذلك كلّه، ان كلّ الأبواب صارت مغلقة في كلّ بلد من بلدان الشرق الاوسط وليس في لبنان فقط. وحدها إسرائيل التي راهنت على الوقت تعتقد انّه يعمل لمصلحتها. هذا ليس أكيدا في المدى الطويل، لكنّه اكيد في ايّامنا هذه للأسف الشديد.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *