Connect with us

فلسطين

السياسي سعيد كنعان يستعرض الاسرار الخفية وراء وعد بلفور المشؤوم

نابلس – “القدس” دوت كوم- عماد سعاده – عقد في حديقة مكتبة بلدية نابلس العامة (المنشية) لقاء ثقافي بعنوان “الاسرار الخفية وراء وعد بلفور”، تحدث فيها المستشار السياسي للرئيس الراحل ياسر عرفات وعضو المجلس الوطني الفلسطيني، سعيد مصباح كنعان، وذلك بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين.
وسلط كنعان الضوء خلال اللقاء على بعض الاسرار الكامنة وراء اصدار الوعد المشؤوم، وبيّن الدور المنهجي والتآمري للحركة الصهيونية تحديدا والتي كانت وراء اصدار الوعد علنا، وذلك ضمن مخططاتها للسيطرة على عالمنا العربي.
واشار الى ان وعد بلفور كان ثمرة تواطؤ بين الامبريالية البريطانية والحركة الصهيونية اللتين عملتا معا للسيطرة على فلسطين واقتلاع سكانها الاصليين الذين أشير اليهم بانهم (الطوائف غير اليهودية)، ثم توطين جماعات غريبة واقامة دولة عازلة بين المشرق العربي ومغربه تمهيدا لاقامة اسرائيل الكبرى بين النيل والفرات.
وشدد كنعان على الحاجة لوضع خطة استراتيجية لمواجهة آثار الوعد المدمرة والكارثية على القضية الفلسطينية وعلى مصير الشعب الفلسطيني، والعمل من اجل اجبار بريطانيا على الاعتراف بهذا الخطأ التاريخي المدمر، ومحاكمتها من أجل تصحيح هذا الخطأ الكارثي.
وثمن قيام نخبة فلسطينية يقودها ويدعمها رئيس التجمع الوطني للمستقلين رجل الاعمال، منيب المصري، برفع دعوى ضد بريطانيا قبل عدة اشهر لدى محكمة نابلس، واستكمال ذلك برفع دعوى ثانية ضدها (بريطانيا) لدى المحاكم البريطانية على خلفية مسؤوليتها التامة عن وعد بلفور، وهو ما يعكس اصرار شعبنا على محاكمة بريطانيا وابراء ذمته امام التاريخ.

ثلاثة وعود متناقضة

واشار الى ان هذا التصريح او الوعد قد صدر ابان الحرب العالمية الاولى حيث قامت بريطانيا بكل صلافة باصدار ثلاثة وعود متناقضة؛ الاول للشريف حسين من اجل اقامة الثورة العربية الكبرى ضد تركيا لازالة الحماية الاسلامية عن فلسطين، والثاني معاهدة “سايكس بيكو” للسيطرة على فلسطين تمهيدا لتسليمها لليهود، والثالث “تصريح بلفور.
تطابق اهداف الصهيونية مع اطماع بريطانيا
وأوضح ان الحركة الصهيونية كانت تخطط لاحتلال فلسطين واقامة دولة لها، وكانت بريطانيا تسعى لتحقيق اهدافها الاستعمارية في العالم العربي، وتطابقت اهداف الحركة الصهيونية مع اطماع بريطانيا بهذا الصدد، مستذكرا هنا تصريح حاييم وايزمان (رئيس الحركة الصهيونية في بريطانيا) حيث قال: “ان فلسطين هي الحاجز الطبيعي بين قناة السويس والمشرق العربي وبذلك نحمي مصالح بريطانيا باستمرار سيطرتها على القناة ومنع فرنسا او روسيا من تهديد القناة”.

اطراف ذات علاقة

واشار كنعان الى وجود عدة اطراف لها علاقة بتصريح بلفور، الطرف الاول هو بريطانيا التي كانت تسعى للهيمنة على المنطقة العربية مستندة على قرارات مؤتمر “كامبل بنرمان” عام ١٩٠٧، والتي كان اهمها ابقاء الشعوب العربية مفككة وجاهلة ومتأخرة، ومحاربة اي توجه وحدوي لها، واقامة دولة عازلة تكون بمثابة حاجز بشري ومعاد يفصل الجزء الافريقي عن الآسيوي، واعتبار قناة السويس هي الحاجة الاهم لبريطانيا وابقاء المنطقة متأخرة ومجزأة الى دول متناقضة ومتناحرة.

الدولة العثمانية

واضاف ان الطرف الثاني هو الدولة العثمانية التي كانت هي المظلة الاسلامية التي تحمي فلسطين امام اطماع اليهود، ولذلك كان لابد من تحطيمها لازالة هذه المظلة. وقد حاول الصهانية بقيادة “هيرتزل” اقناع السلطان العثماني عبد الحميد بالسماح باستعمار فلسطين من قبل اليهود ولكنه رفض ذلك وعلى هذا الاساس قامت الحركة الصهيونية بانهاء حكمه عام ١٩٠٨عن طريق جمعية (الاتحاد و الترقي) التي كان مقرها مدينة (سالونيك) مهد جماعة الدونما الذين دخلوا في الدين الاسلامي رياء وكذبا كما هو معروف، اذ كانت تسيطر عليهم الحركة الصهيونية والماسونية. ولتأكيد الدور الصهيوني والماسوني بهذا الصدد فان الذي ابلغ السلطان عبد الحميد بخلعه عن العرش كان اليهودي الماسوني امانويل قره صو (رئيس المحفل الماسوني في سالونيك).
وهكذا نجحت الحركة الصهيونية في انهاء الحماية الاسلامية عن فلسطين والتي تلاها الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين التي ساهمت، سواء بحسن نية او جهل مطلق، في خسارة الدولة العثمانية للحرب العالمية الاولى حيث ساهمت في هزيمة تركيا التي كانت تشكل المظلة الاسلامية لحماية فلسطين امام اطماع الصهيونية العالمية.

واشار كنعان الى ان اتفاقية (سايكس بيكو) قد قسمت العالم العربي واستثنت فلسطين من وعدها الشريف حسين، ما جعل فلسطين سهلة امام اطماع الصهيونية العالمية. وكان البريطاني (سايكس) من اهم دعائم الحركة الصهيونية وراء اصدار تصريح بلفور

مؤتمر بال

واضاف بان الحركة الصهيونية العالمية كانت من اهم الاطراف التي لها علاقة بتصريح بلفور، حيث اتخذت الحركة في مؤتمرها الشهير في بال عام ١٨٩٧ قرارا بانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وسعت بكل قوتها لتحقيق هذا الوعد مستغلة احداثا عالمية ساعدت هي نفسها في صنعها اهمها كان الانقلاب على عبد الحميد، واتفاقية سايكس بيكو، والوعود للشريف حسين . وقد تبنت في هذا المؤتمر الأسس الدينية كرافعة لتجميع اليهود في فلسطين. وقد لا يعلم الكثيرون ان اهم قاعدة للحركة الصهيونية في اوائل القرن العشرين كانت في المانيا وليس في انجلترا، حيث كان يقيم حوالي ثلاثة ملايين يهودي في الجزء الشرقي من المانيا وكان تأثيرهم ملحوظا حيث استطاعت الحركة الصهيونية ان تنشط بين ظهرانيهم وقامت بانشاء اهم مركز صهيوني وهو “اللجنة التنفيذية للحركة الصهيونية” في برلين، وكان “حاييم وايزمان” رئيس الحركة الصهيونية في انجلترا تابعا لهذه اللجنة الالمانية، وقد تسابقت المانيا مع انجلترا لكسب ود اليهود ابان الحرب العالمية الاولى.

تحالف الصهيونية مع بريطانيا ابان الحرب العالمية الاولى

واشار كنعان الى ان الحركة الصهيونية تمكنت بعد اندلاع الحرب العالمية الاولى عام ١٩١٤من تحقيق احد اهم اهدافها، وذلك باقناع الحكومة البريطانية بالتحالف معها من اجل مساعدتها في تحقيق الاهداف البريطانية للسيطرة على فلسطين، وتنفيذ مخططاتها الاستعمارية التي تشمل معظم المنطقة العربية. وفي اثناء تلك الحرب وجدت بريطانيا ان دعم اليهود سيساعدها في المجهود الحربي وسوف تكسب تأييد يهود العالم لاسيما في امريكا وروسيا. وكان “حاييم وايزمان” قد نجح في تطوير مادة “الاستون” التي ساعدت بريطانيا في مجهودها الحربي ما ساعده على لوصول بسهولة الى صانعي السياسة في لندن. وكان بلفور من اهم القادة البريطانيين الذين أثر فيهم وايزمان حيث يقول (ان اليهود جنس معروف بمهارته ومثابرته وسوف يوفرون رؤوس الاموال المطلوبة لنا وسيكونون بمثابة إسفين في سوريا يعود بالفائدة على انجلترا والعالم بأسره).
واضاف كنعان بأن من أغرب المفارقات التاريخية بهذا الصدد أن بلفور كان كارها لليهود اي (لا سامي) حيث تقدم باقتراح عام ١٩٠٥يقضي باغلاق باب الهجرة لليهود الهاربين من مذابح قيصر روسيا.

جر أمريكا لصالح الحلفاء في الحرب مقابل وطن قومي لليهود

ومع استمرار الحرب العالمية الاولى بين الحلفاء اي انجلترا وفرنسا وروسيا ضد دول المحور المانيا وتركيا وغيرهم وتوالي انتصارات دول المحور على دول الحلفاء، اخذت بريطانيا تبحث عن مخرج يساعدها على تجنب الهزيمة وكانت تعي اهمية اليهود في التاثير على صانعي القرار في امريكا لمحاولة جر امريكا للتحالف مع دول الحلفاء.
وفجأة ظهر شخص غير معروف لمعظم المؤرخين وجرى تجاهله عمدا من قبل الحركة الصهيونية بغية عدم كشف المؤامرة الصهيونية لجر امريكا للحرب. هذا الرجل البريطاني من اصل ارمني كان “جيمس مالكولم” الذي استطاع الوصول الى منصب مستشار الحكومة البريطانية لشؤون الشرق. وكان يكره الاتراك بسبب المذابح التي اقترفت ضد الارمن حيث آمن ان انتصار الحلفاء سيضمن تحرير الارض الارمنية من سيطرة تركيا وروسيا. وكانت تربطه صلات وثيقة باعضاء الحكومة البريطانية وخاصة وزراء الحرب. وفي الغرف السرية في لندن جرى ترتيب المؤامرة الكبيرة لجر امريكا الى الحرب ولتفصيل ذلك حدث الاتي: كان شهر نيسان عام ١٩١٧م حاسما في موضوع تصريح بلفور، ففي مطلع ذلك الشهر اوشكت دول المحور على تحقيق انتصار كاسح على الحلفاء وبالطبع فقد كان الحلفاء مستعدين لفعل اي شيء يحمي مصالحهم ويجر امريكا الى جانبهم في الحرب. ومن سوء حظ الحلفاء في ذلك الوقت ان الرئيس الامريكي ويلسون كان قد اعلن في الكونغرس عدم نية امريكا الدخول في الحرب والبقاء بعيدة عن الاحداث في اوروبا، وهنا جاء “مالكولم” كمنقذ للحلفاء وكعراب لتحالف الحلفاء مع الحركة الصهيونية حيث جرى الاتفاق على جر امريكا للحرب مقابل الوعد بانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

وفي تلك الفترة احتدمت المعارك في اوروبا وتكبدت قوات الحلفاء خسائر فادحة مما دعا امريكا الى استدعاء مواطنيها وعائلات دبلوماسييها للعودة الى امريكا، ولذلك ارسلت باخرة دخل اسمها التاريخ حيث حاولت الحركة الصهيونية تجاهل هذا الاسم وتجاهل اسم الوسيط الارمني مالكولم المتآمر خوفا من كشف المؤامرة التي حاكوها بجر امريكا للحرب. وكان اسم الباخرة “ساسكس”. وقد وصلت الباخرة الى الموانئ البريطانية في اوائل شهر نيسان عام ١٩١٧ لاحضار العائلات الامريكية من اجل العودة الى امريكا حيث تجمع آلاف النساء والاطفال على متنها وغادرت الميناء البريطاني عائدة الى امريكا وعلى ظهرها آلاف النساء والاطفال الامريكيين، واثر مغادرتها اعلنت وكالات الانباء العالمية التي يسيطر عليها الصهاينة ان البحرية الالمانية قد اغرقت الباخرة وقامت القيامة في امريكا وارسلت آلاف البرقيات من كل مدينة او قرية داخل امريكا مطالبة الرئيس ويلسون والكونغرس بالانضمام الى الحلفاء واعلان الحرب على المانيا. وبسرعة وتحت ضغط الرأي العام قام ويلسون باعلان الحرب على المانيا (وليس تركيا) وهكذا دخلت امريكا الحرب واختل التوازن العسكري وكانت بداية هزيمة المانيا وتركيا.
ولكن الامر الغريب ان الباخرة “ساسكس” وصلت بعد اسبوعين لامريكا سالمة لم تتعرض اطلاقا لاي هجوم من قبل المانيا.
وهكذا اوفت الحركة الصهيونية بوعدها المتعلق بجر امريكا للحرب ولم يبق الا ان تفي بريطانيا بوعدها لاقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين والذي عرف لاحقا بوعد بلفور.

مطالبة بريطانيا بالوفاء بعهدها

ويشير كنعان الى ان الصهيونيين قد نشطوا في اتصالاتهم بالوزراء البريطانيين ليفوا بوعدهم، ولكن لسوء حظ الصهاينة فقد انقسم البريطانيون نحو تنفيذ هذا الوعد وكان اهمهم الوزير اليهودي “مونتيغيو” المعارض القوي الصهيونية، والذي رأى في تنفيذ الوعد ما يمكن ان يؤثر سلبا على اوضاع اليهود في بريطانيا. و ليس مصادفة ان تصريح بلفور قد صدر عن الوزارة البريطانية اثناء غياب “مونتيغيو” الى خارج بريطانيا. اما الوزير الآخر فهو اللورد “كرزون” الذي كان يشغل ايضا رئيسا للمجلس الحربي البريطاني وكان معارضا قويا للحركة الصهيونية ويخشى على مصير الشعب العربي في فلسطين لاسباب انسانية. وقد خشيت الحركة الصهيونية من تأثير الوزراء المعارضين لتصريح بلفور قبل وضعه بصيغته النهائية ولذلك قام “وايزمان” وزملاؤه باعداد مسودة للتصريح تلزم بريطانيا بالايفاء بوعدها وتم تقديم المسودة الى بلفور باسم “روتشيلد”. وقدمت المسودة الى الحكومة البريطانية لدراستها وكان ميلها الى استخدام كلمة (ملجأ) لليهود، ما دعى الحركة الصهيونية الى استباق الاحداث والاتصال ببلفور وغيره من الوزراء ومناقشة المسودة من قبل شخصيات نافذة للحركة الصهيونية مع بلفور حيث جرت التعديلات عليها خمس مرات. وعندما عرضت المسودة على الحكومة البريطانية قامت بفحص كل كلمة فيها، وادخلت تغييرات كثيرة على النص الأصلي، ومن أجل انجاز الموضوع جرى بحثه في اجتماع الوزارة المقرر في 29/10/1019
وفي اثناء ذلك بدأت ترد الاخبار الى لندن بان تحركات المانية قوية ومتسارعة اخذت بالتبلور لاصدار وعد مشابه من المانيا نتيجة لنشاط الحركة الصهيونية الضخم في المانيا، وكانت هذه الاخبار من المانيا تقلق المجلس الوزاري البريطاني اثناء انعقاده، وازداد الضغط السياسي داخل محافل مجلس الوزراء جراء تزايد الانباء والمقالات في الصحف الالمانية حول استعداد المانيا لفرض حمايتها وانشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وكان اكثر ما ازعج الوزارة البريطانية التعميم الذي اصدره “جراهام” رئيس الدائرة الشرقية في وزارة الخارجية البريطانية مشيرا الى خطورة الوضع واحتمال قيام المانيا باصدار وعد مشابه. و قرر “وايزمان” التصدي بقوة لاية معارضة داخل مجلس الوزراء البرطاني وذلك عن طريق الدعوة الى اجتماع طارئ في لندن للضغط على الحكومة. و قد حقق هدفه عندما جمع ثلاثمائة توقيع لمؤسسات يهودية فاعلة ومؤثرة على رأسها الحاخام الاكبر للجالية اليهودية في بريطانيا وهو الدكتور”هيرتز” وقدمها الى بلفور فيما نظمت الحركة الصهيونية حملة اعلامية ضخمة لكسب التأييد للتصريح.
ويوضح كنعان بأن الحكومةالبريطانية قد اجتمعت في 31/10/1917 وكانت الصيغة الاولى للوعد جعل فلسطين كلها وطنا قوميا لليهود، وغيرت الصيغة الى اقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وكان وايزمان ينتظر في اروقة المجلس اثناء الاجتماع الوزاري قلقا حتى خرج (سايكس) من غرفة الاجتماع وهو يصيح (انه صبي) وتم اقرار التصريح بصيغته النهائية التي نعرفها وجرى اعلانه رسميا بعد يومين في 2/11/1917.
واختتم كنعان حديثه باقتباس للمؤرخة البريطانية اليزابيث مونرو: “ان وعد بلفور كان اكبر غلطة في تاريخ بريطانيا”.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *