Connect with us

فلسطين

تل “صوفر” في نابلس.. شاهد على عراقة نابلس وقوتها الاقتصادية عبر التاريخ

نابلس – “القدس” دوت كوم- عماد سعاده – عند المدخل الغربي لمدينة نابلس الحالية وعلى سفوح المنحدرات الغربية لجبل “جرزيم” ينتصب تل صغير في مساحته، متواضع في ارتفاعه، ولكن جذوره تضرب اطنابها في عمق التاريخ، ويعتبر شاهدا على عراقة وقوة مدينة نابلس، التي تعتبر من اقدم مدن العالم المأهولة.

أنه “تل صوفر” الذي لا تزيد مساحته عن 10 دونمات، ويطل من ارتفاع 530 مترا عن مستوى سطح البحر على وادي التفاح غرب المدينة، ويحتل موقعا استراتيجيا هاما، اذ يتحكم بمختلف الطرق الغربية المؤدية للمدينة فيما تحيط به اليوم من جميع الاتجاهات شوارع وابنيه سكنيه حديثه.

ويقول خبير الاثار الفلسطيني، عبد الله كلبونة بأن كلمة “تل” هي كلمه عربيه ساميه بالغة القدم وهي مشتقه من الكلمه البابليه (تيللو) ومعناها (كوم انقاض)، والتل في الغالب عباره عن مخروط ناقص، قليل الارتفاع، له قمه مسطحه وجوانبه منحدره، ويتشكل نتيجه لمراحل العمران والخراب المتوالية عليه في الازمان الغابره ويقوم في الغالب جوار او قرب ينابيع المياه.

ويشرح ان (تل صوفر) قد دعي بهذا الاسم نظرا لشدة الريح وتصفيره في منطقته بحيث انها تعصف صيفا وشتاء وتعكس هذه التسميه تقليدا عربيا بتسمية بعض المواقع من اشكالها او افعالها، وهي تسميه قديمه وتعود الى العهد الكنعاني يستمر تداولها حتى اليوم.

ويوضح كلبونه انه أُطلِق لاحقا على التل اسم “تل صوفان” ويعني في اللغه العربيه التل الذي تنمو عليه “الصوفانه” وهي نبتة زعباء قصيره من نوع البقوليات.


محاولات لادخاله الى التاريخ التوراتي


ويشير الخبير كلبونة، الى ان علماء آثار توراتيين قد حاولوا ادخال “تل صوفر” الى التاريخ التوراتي ولكن من دون اي سند أثري او علمي، وانما لمجرد ورود اسم شخص في التواراة يحمل نفس الاسم. ومن هؤلاء العلماء “نادراسكي” والذي ذكر عام 1964 بأن هذا التل ما هو الا موقع عوفرا – Ophrah، وتعني اللون “الطحيني او البيج” المذكور في التوراه، وهذا امر ليس له اي دليل تاريخي او اثري، فيما ربط آخرون ومن منطلق تشابه الاسماء فقط، هذا التل بصوفر النعماتي المذكور في التوراة، وهو من قرية نعمه واحد الرفقاء الثلاثه للنبي ايوب وقد عاش في حران خارج فلسطين ما يعني ان التوراه نفسها تنفي هذه العلاقه.

ويقول بأن “تل صوفر” لم تجر عليه اي حفريات اثريه منظمه، وان ما تم فقط هو دراسة سطحه والتقاط البقايا الموجوده على سطحه ودراستها مثل ما قام به العالم الالماني “بوهيل” – سنة 1931م، وكذلك العالم البريطاني “روبرت بول” سنة 1957م واخيرا حفريات تعليميه حديثة لطلبة جامعة النجاح الوطنية بدأت عام 1998.


قرية زراعية

ويوضح كلبونة بأن بان التسلسل التاريخي والاثري لتل صوفر يشير الى انه يعود للعهد الكنعاني، وانه كان عباره عن قريه زراعيه ذات حجم كبير، مؤكدا انه اذا ما اجريت فيه حفريات فانها سوف تلقي الضوء على تاريخ مدينة نابلس الذي يمتد الى الاف السنين.

يشار الى انه في عام 2013، أعلن قسم السياحة والآثار في جامعة النجاح الوطنية، عن اكتشافات أثرية جديدة خلال قيامه بحفريات في “تل صوفر”. وكانت الحفرية قد تمت بإشراف رئيس القسم الدكتور لؤي أبو السعود وبمشاركة الخبيرعاطف خويره من ذات القسم، والرسام الأثري إبراهيم اقطيط من معهد الآثار بجامعة أبو ديس، وبمشاركة 30 طالباً وطالبة من الجامعة.


اكتشافات مهمة

وذكر الفريق الاثري آنذاك أنه تم اكتشاف مجموعة من الصوامع Silos وهي عبارة عن مباني دائرية ونصف دائرية كانت تستخدم لتخزين الحبوب، اضافة الى جرار فخارية متوسطة الحجم كانت تستخدم لأغراض مختلفة، وغرف وأساسات وجدران مباني، بالإضافة إلى أدوات زراعية مختلفة كانت تستخدم لدق وطحن الحبوب.

وأكد الفريق أن الاكتشافات المذكورة آنفاً تعد في غاية الأهمية، حيث تعود إلى العصر البيزنطي، أي تعود بتاريخها إلى الفترة بين 324-638م، وأن استخدام التل وما حوله كان مسكوناً خلال الفترات التاريخية المختلفة ابتداءً من العصر الحجري النحاسي Chalcolithic (4500 ق.م) والبرونزي (3100-1200 ق.م) وحتى الفترات الإسلامية المختلفة، حيث شهد نشاطاً زراعياً واضحاً في الفترة الأخيرة.

حفريات أثرية لطلبة جامعة النجاح


سكان التل كانوا ذوي اقتصاد قوي

وتخلص دراسة اثرية لموقع تل صوفر وضعها الدكتور لؤي ابو السعود على ضوء الحفريات التي اجراها قسم الاثار في جامعة النجاح، الى ان تل صوفان كان قرية زراعية ذات حجم كبير، مارس سكانها الزراعة وذلك بسبب توفر مصادر المياه (عين الجسر، عين بيت الماء، وادي التفاح، وادي الجناين)، وكان سكان التل منتجين وذوي دخل واقتصاد قوي، ويمكن استنتاج ذلك من خلال الجرار الفخارية كبيرة الحجم والتي تم اكتشافها خلال الحفريات الاثرية التي اجراها قسم الاثار في جامعة النجاح عام 1999، وكانت هذه الجرار تستخدم لخزن المنتجات الزراعية الفائضة والتي كانت تزيد عن حاجة السكان المحليين.

كما ويمكن الحديث عن وجود نوع من التبادل التجاري، بين تل “صوفر” او “صوفان” مع المدن الكنعانية في فلسطين والعالم الخارجي. اما مساحة التل فكانت تساوي تقريبا 10 دونمات، ومن الممكن ان تكون المساحة المستخدمة بطبيعة الحال اكبر من ذلك بكثير، الا ان هذه المساحة تمثل نواة التل ومركزه؛ اي انها تمثل مركز وبؤرة القرية الزراعية، هذا اذا ما قورنت مع تل بلاطة (شكيم) الذي تبلغ مساحته نحو 53 دونما. ويسنتج من ذلك انه في الوقت الذي كانت تشهد فيه (شكيم) مرحلة الانحطاط والتدهور،كان موقع تل صوفر يشهد ازدهارا سكانيا، وقد هاجر سكان (شكيم) الى القرى المجاورة، ومنها الى هذا التل حيث مارسوا اقتصادا زراعيا كبيرا نتج عنه فائض في المنتجات الزراعية وبالتالي وجود علاقات تجارية مع المواقع والممالك المجاورة.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *