Connect with us

عربي ودولي

هل تتجاوز أمريكا آثار انسحابها من أفغانستان كما فعلت بعد حرب فيتنام؟

واشنطن – (د ب أ) – أعادت مشاهد دخول حركة طالبان الأفغانية العاصمة كابول واستيلائها على مفاصل السلطة في البلاد بشكل سريع للغاية، مع انسحاب القوات الأمريكية من البلاد، مشاهد مماثلة لخروج الولايات المتحدة من فيتنام. ويشير الباحث هال براندز، وهو خبير في السياسة الخارجية الأمريكية، إلى عدة أسئلة يرى أنه يجب طرحها بشأن كيفية وصول حرب استمرت عشرين عاما إلى ذروتها بفشل ذريع ومأساوي. لماذا انهار الجيش الأفغاني بهذه السرعة المذهلة؟ ما هي الأسباب الجذرية لفشل أمريكا في أفغانستان؟ ولكن السؤال الأكثر أهمية هو: كيف ستتعافى قوة عالمية عظمى من مثل هذه الهزيمة المذلة؟


وليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها الولايات المتحدة هذا الموقف، فعندما غادرت آخر مروحية أمريكية مدينة سايجون، عاصمة ما كان يعرف بدولة فيتنام الجنوبية، في عام 1975، خلفت الولايات المتحدة وراءها كارثة إنسانية مماثلة وواجهت أسئلة مماثلة حول التأثير العالمي لانتكاسة مدمرة.


ثم تحولت أمريكا من الهزيمة في فيتنام إلى النصر في الحرب الباردة بعد عقد ونصف عقد من الزمان، وهو تحول قد يتعلم منه المسؤولون الأمريكيون درسا اليوم.


ويقول براندز في تقرير نشرته وكالة بلومبرج للأتباء إن أوجه التشابه في الحالتين ليست دقيقة. فقد كانت عواقب الهزيمة أسوأ في فيتنام لأن تكلفة التدخل الأمريكي هناك، في الأرواح، فضلا عن الانقسام الداخلي، كانت أكبر حجما. وكان السياق مختلفا أيضا، فقد اقترب سقوط سايجون من نهاية التنافس بين القوى العظمى، أكثر من بدايته، آنذاك. ولكن العناصر الأخرى في فيتنام لها صدى مخيف تمثل في الانهيار السريع لنظام صديق، والشكوك الناتجة عن ذلك فيما يتعلق بمصداقية الولايات المتحدة وكفاءتها، وقبل كل شيء، حتمية التعافي.


والدرس الأول من تلك الفترة، بحسب براندز، هو أن العودة الأمريكية لم تحدث بسرعة، فعلى مدى نصف عقد من الزمان، بدت واشنطن في تراجع في كل موقع، تقريبا. واغتنم السوفييت الفرصة لدعم وكلاء الشيوعيين بقوة أكبر في أنجولا وإثيوبيا وأماكن أخرى في العالم النامي. وأثار ذلك قلق حلفاء الولايات المتحدة، فقد تساءلت بلدان في مختلف أنحاء جنوب شرق آسيا، علنا في بعض الأحيان، عما إذا كانت حماية واشنطن تستحق الكثير بعد الآن.


كما أنها أحبطت معنويات أمريكا نفسها، ففي خلال أواخر سبعينيات القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة قوة عظمى مذهولة، وغير واضحة، واستهلكها الشك في الذات. وقد لخص الرئيس الأمريكي آنذاك، جيمي كارتر، المزاج العام في وقت مبكر من رئاسته عندما قال: “خلفت الحرب الفيتنامية أزمة أخلاقية عميقة، مما أضعف الثقة العالمية في سياستنا ونظام حياتنا، وهي أزمة ثقة زاد من حدتها التشاؤم الخفي لبعض قادتنا”.


ثانيا، كان التعافي من تداعيات ماجرى في فيتنام يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من ذلك. وحتى قبل السقوط، أدرك الرئيس ريتشارد نيكسون ووزير الخارجية هنري كيسنجر أن الولايات المتحدة يمكن أن تعوض ما تعرضت له من نكسات على ساحة، بالتقدم على ساحات أخرى. ولكن النجاحات الكبيرة التي حققها الاثنان، مثل الانفتاح الدبلوماسي على الصين وبدء الوفاق مع الاتحاد السوفييتي، لم تنقذ فيتنام الجنوبية. لكنهما خففا من التأثير العالمي للهزيمة، وساعد الانفتاح على الصين في وضع الولايات المتحدة على مسار النجاح في الحرب الباردة، في نهاية المطاف.


ثالثا، ربما يؤدي الفشل أحيانا إلى خلق فرص غير متوقعة، وقد أدى انسحاب الولايات المتحدة من فيتنام إلى تسريع وتيرة الحرب الأهلية داخل العالم الشيوعي، عبر إزالة المصدر الوحيد المتبقي للوحدة، وهو معارضة الوجود الأمريكي.


وقدم السوفييت التزامات جديدة، ومكلفة، في أنجولا وأمريكا الوسطى وأفغانستان، في حين أن توسعهم العدواني أخرج الولايات المتحدة أخيرا من حالة الدوار في مرحلة ما بعد فيتنام.


ولكن التعافي في الولايات المتحدة لم يحدث تلقائيا. والدرس الأكثر أهمية هو أن الأمر تطلب جهدا متضافرا لإحياء القوة الأمريكية.


ويقول براندز إن التاريخ لن يكرر نفسه بنفس الدقة، ولكن هذه التجربة لا تزال ذات صلة. وتقوم وزارة الدفاع (البنتاجون) بالفعل بمراجعة تقييماتها لسرعة إعادة تشكيل الشبكات الإرهابية في أفغانستان، ويسخر أعداء الولايات المتحدة، مثل الصين، من أصدقاء واشنطن ويقولون إن الولايات المتحدة ستتخلى عن هؤلاء في المرحلة التالية.


ومن المؤكد أن القلق يساور بعض هؤلاء الأصدقاء بشأن ثبات القيادة الأمريكية. وفي أفغانستان، كما كان الحال في فيتنام، لا يمكن لواشنطن أن تفلت سريعا من الفوضى التي خلفتها وراءها. ومع ذلك، يمكن أن تبقي الصورة الأكبر في الاعتبار. وقد يكون للهزيمة آثار مثيرة للسخرية، فقد تهدد الصين بمزيد من عدم الاستقرار على الحدود الغربية للبلاد، وقد تؤجج التشدد الإسلامي الذي يهدد مشاريعها المتعلقة بمبادرة الحزام والطريق في باكستان، وآسيا الوسطى.


والواقع أن ما يحدث خارج أفغانستان سوف يكون في نهاية المطاف أكثر أهمية لمستقبل القوة الأمريكية مما يحدث داخل البلاد. وإذا تمكنت الولايات المتحدة، خلال السنوات المقبلة، من تنفيذ جوانب رئيسية أخرى من جدول أعمال الرئيس جو بايدن، بما يتمثل في حشد تحالف واسع مناهض للصين، ووضع أطر أقوى للتعاون الديمقراطي، وتركيز الجيش الأمريكي على تحديات الردع والدفاع غربي المحيط الهادئ، وبناء الشراكات التكنولوجية اللازمة للحد من محاولة بكين للتفوق الرقمي، فإن إرث أفغانستان لن يلوح في الأفق بهذا الحجم.


ومع ذلك، لن يحدث ذلك بمفرده، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الضرر الذي ألحقته أفغانستان سيتردد صداه في الخارج ليمتد إلى جوانب أخرى من السياسة الخارجية الأمريكية، بما في ذلك العلاقات مع الأصدقاء والحلفاء الرئيسيين، من الهند إلى أوروبا الغربية. وفضلا عن ذلك، لا يوجد قانون طبيعي يضمن عودة أمريكا من جديد.


وكان التعافي من تداعيات ما جرى في فيتنام يتطلب إعادة بناء الثقة بالنفس في الولايات المتحدة، وإعادة الاستثمار في أدوات السلطة الرئيسية، ودحض التصور العالمي بأن واشنطن في تراجع، واستعادة المبادرة من خلال سياسات جريئة ألقت بمنافسي أمريكا في موقف دفاعي. ويستغرق تنفيذ هذا النوع من جدول الأعمال سنوات.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *