Connect with us

أقلام وأراء

كنت جندي مارينز في أفغانستان

بقلم: تيموثي كودو

مع تساقط المدن الأفغانية في تتابع سريع، يبدو الأمر كما لو كانت مجموعة من الرجال وقعت في دائرة نيران ملتهبة. في البداية، زارانج وقندوز بعد أيام قليلة، ثم قندهار ولاشكرجاه. والهدف التالي مزار شريف، وأخيراً، كابل بسرعة وحسم.
وعندما أشاهد هذه الأخبار، لا يخالجني في البداية أي شعور، لكنني في الليل أعود مرة أخرى إلى أفغانستان. ويراودني كابوس أجد نفسي فيه أقف في مواجهة العدو وننظر إلى بعضنا في انتظار مَن سيطلق النار أولاً. أضغط من جانبي على الزناد، لكنه يتجمد. وأرى مقاتل «طالبان» يلف أصابعه، وفجأة أستيقظ. لقد راودني هذا الكابوس طوال 10 سنوات منذ عودتي من أفغانستان، لكن الآن أشعر كما لو أنه أصبح حقيقة.
اليوم، نشهد انهيار جهود عقود من الحرب في أسابيع، في ظل تقدُّم «طالبان» بسرعة تذكرني بالاحتلال الأميركي لبغداد. كما أن هناك أوجه تشابه أخرى: اقتحام قوات «طالبان» المجمعات المذهبة لحلفائنا الأفغان، ولا تملك سوى التعجب أمام الأدلة على سنوات من المساعدة الأميركية التي نهبها المسؤولون في الحكومات الأفغانية السابقة.
خلال ساعات النهار، تنشغل أفكاري بالماضي. ذات يوم، سمعت على الطرف الآخر من الراديو عن فرقة أبيدت، وتقرير عن إصابة في صفوف جنود مشاة البحرية، ونبرة الخوف في صوت رقيب ودقات الساعة مع تدفق الدم من عنق شاب لم يتجاوز الـ19 عاماً، بينما نتسابق لإرسال المروحية التي ستصل بعد فوات الأوان.
أفكر في الراية المتلألئة بالنجوم التي حلقت فوق مركز دوريتي القديمة، التي تسمى «حبيب». لقد سقط خمسة رجال تحت هذا العلم ـ من أجل ماذا؟
لا يزال الصقور يدورون ويصرخون. واليوم، تعود الأصوات التي دفعتنا منذ 20 عاماً إلى الأمام نحو المعركة، إلى نشرات الأخبار المسائية كي تقنعنا ببقائنا. ويردد الجنرالات والسفراء السابقون: «لم يفت الأوان بعد. يمكن أن يصمد المزيد من القوات. النصر قاب قوسين أو أدنى».
وتمر أمام عيني الآن صور من وحدتي القديمة، الكتيبة الأولى من مشاة البحرية الثامنة، التي جرى إرسالها لتأمين المطار في كابل. وأشعر بالغيرة، وتتملكني الرغبة في أن أضحي بأي شيء مقابل عودتي هناك الآن، لكن هذا مستحيل. وسرعان ما علمت أن هناك سفارة احتياطية في المطار، وأن موقفنا ينهار، وتحول حديث الأسابيع إلى أيام، وأخيراً إلى ساعات، 36 ساعة تحديداً، لإجلاء الأميركيين الباقين.
بينما يتكشف كل هذا، هناك الكثير من الضجة حول المشاهير في حفلة عيد ميلاد باراك أوباما الستين، احتفال أقيم بينما كانت الحرب التي عمد أوباما لتوسيع نطاقها خلال فترة رئاسته تنتهي على نحو مشين، إلا أنه ليس وحده في موقفه هذا. كما أن قادتنا الآخرين يتحمّلون المسؤولية عما حدث. في المقابل، ليس هناك احتفاء بأولئك منا الذين يتألمون كل يوم ويتساءلون كيف كان بإمكاننا تقديم أفضل سنوات حياتنا من أجل مثل هذه الكذبة.
في الواقع، كان الانهيار مفاجئاً، وكان خروجنا سيئاً للغاية دونما تخطيط مناسب لإجلاء الأفغان المستضعفين الذين عملوا معنا. نحن بحاجة ماسة إلى الدول المتحالفة التي خاضت حرباً معنا لتستقبلهم نيابة عنا، بحيث يجري توزيعهم بضعة آلاف هنا، وبضعة آلاف هناك. أنظر عبر ميناء نيويورك إلى تمثال الحرية وأتساءل لماذا لا نرفع المصباح الخاص بنا لأولئك الذين تركتهم هذه الحرب. هل مات تمثال حريتنا العملاق الجديد، أم سينهض ليسدد ديوننا؟
وأرى في ذهني مروحية «هيوي» تتأرجح فوق السفارة الأميركية في سايغون، لكن أجلس مطمئناً لأنه، كما يقولون، فإن نهاية أفغانستان ستكون مختلفة عن عام 1975. ومع ذلك، خاض آباؤنا وأجدادنا هذه المعركة وخسروها من قبل ويعرفون أفضل منا. هل سيعاني أطفالنا نفس الشيء؟
هناك ما يكفي من اللوم للالتفاف حوله. بعد كل شيء، من دون المتطوعين منا، لن يكون هناك مَن يخوض هذه الحروب. أتوق إلى الظهور أمام الشاب الذي كنت أنا عليه وأصفعه على وجهه وأطلب منه أن يأخذ مساراً مختلفاً في الحياة. أريد أن أقول له: «ستموت هناك، ليس بالجسد بل بالروح»، لكنه رحل، وسأقضي بقية حياتي وأنا أحدق في ظله.
وأخيراً، هناك أقراني الأميركيون – الجمهوريون والديمقراطيون والمستقلون على حد سواء – الذين صوّتوا مراراً على مدار 20 عاماً لصالح هؤلاء الرؤساء وأعضاء الكونغرس الذين ضللونا وقادونا للهزيمة. الحقيقة أن هذا العار أصبح أشبه بحجر رحى حول أعناقنا. هنا في المنزل، يبدو أفق مانهاتن واضحاً، وبرج الحرية يتلألأ، وأمتنا تتأرجح إلى الأمام. وصلت هذه المأساة الأميركية إلى نهايتها. الآن ننتظر إسدال الستار.
عن «نيويورك تايمز»

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *