Connect with us

أقلام وأراء

الاستعمار الجديد “أڤيتار” أنموذجاً

بقلم الأسير: أسامة عودة

تشير (وصية المواطنة والميراث)، وهي إحدى الوصاية التوراتية التلمودية التي ورد ذكرها عشرات المرات في التوراة (عليكم أن تأخذوا كل أملاك المقيمين على الأرض)، وتعني تلك الوصية طرد سكان “أرض إسرائيل” مهما كانوا. تركز الحركات الاستعمارية على تلك المقولة في التدريس داخل المدارس الدينية، وأهمها حركة (غوش إمونيم)، أي (جبهة المؤمنين)، والتي تحظى بتمويل ورعاية حكومات الاحتلال المتعاقبة، وهي في تكامل شبه تام مع الأحزاب اليمينية في إسرائيل، منذ نشأتها رسمياً مطلع سبعينات القرن الماضي.
تقود جبهة المؤمنين حملة استعمارية استيطانية مسعورة في الآونة الأخيرة، وتزيد من حجم ضغوطها على الأحزاب والائتلافات الحكومية. يأتي ذلك من خلال نشر تعاليمها الدينية بين طلاب المدارس الدينية، للضغط على كافة أقطاب الخارطة السياسية في إسرائيل، وحثهم على متابعة المعارك الدينية القديمة لاستيطان “أرض إسرائيل”، وإخضاع سكانها من غير اليهود بالقوة العسكرية، كضرورة دينية. يقترن ذلك بالطبع برفعها شعار “أرض إسرائيل لشعب إسرائيل”، استناداً إلى “توراة إسرائيل”. لقد انتشرت هذه التعاليم التي تدعو لاستعمار “أرض إسرائيل”، منذ أن أقام أحد زعماء ومؤسسي هذه الحركة لاحقاً (موشي تفنكر) مستوطنة في الخليل عام 1968، بمبادرة شخصية منه، وما زالت تلك التعاليم تنتشر، وجاءت مستعمرة “أفيتار” تجسيداً واضحاً لها.
لم يكن استعمار جبل صبيح في قرية بيتا مؤخراً، وإقامة مستعمرة (أفيتار)، بعيداً عن تعاليم هذه الحركة، فقد قالت إحدى مؤسسي هذه المستعمرة وتدعى “دانيالا ڤايس” أن (أفيتار) تشكل صحوة جديدة. يدل على ذلك استقبال هذه المستعمرة خلال الثلاثة أسابيع الأولى من بنائها ما يزيد عن 50 عائلة للإقامة فيها، كما افتتحت فيها مدرسة دينية، وتمت زراعة المباني، وشق الطرق بسرعة كبيرة، وتوافد زائرون، ووزراء، ومسؤولون حكوميون سابقون، وممثلون لأحزاب، من أجل الدعم والمساندة. إضافة إلى ذلك، حصلت هذه المستعمرة على موافقة وشرعنة حكومة الاحتلال من خلال ما اتفق عليه مع مجلس الاستيطان في الضفة الغربية، ومؤسسي المستعمرة، على إعطاء مجال للحكومة، والإدارة المدنية التابعة لها، لملائمة ظروف إقامتها مع القوانين الاحتلالية، وظروف مصادرة الأراضي الفلسطينية وفقها.
إن ما يجري هو تطبيق حرفي لتعاليم وأقوال زعماء حركة غوش إمونيم، فقد قال (الراڤ كوك) بعد نكسة عام 1967 مباشرة “إننا مأمورون بالاستيلاء على الأرض واستيطانها”، وأكد على ضرورة تحقيق ذلك من خلال القوة العسكرية. إننا نلحظ ذلك الأمر قائم الآن، ويطبق في مستعمرة (أفيتار) على جبل صبيح، من خلال وجود فرقة عسكرية فيها تحمي المنازل والمستعمرين، وفقاً للاتفاق الذي جرى مع تلاميذ وزعماء جبهة المؤمنين، وبهذا السلوك يطبق على الأرض بشعارها أن التوراة والحرب والاستيطان ثلاثة أشياء في شيء واحد.
إن الهجمة المسعورة من الاستعمار والمصادرة للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، تأتي في إطار إفشال إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. لقد نشرت معطيات حول الاستعمار في الضفة الغربية مؤخراً تقول أن الاستيطان وصل ذروته عام 1991، فقد بنيت 7750 وحدة استيطانية، وتراجع هذا المعدل إلى 3491 وحدة عام 1998، ثم 4950 وحدة عام 1999، ومنذ عام 2000، يقف معدل بناء للوحدات الاستيطانية سنوياً ما يزيد على 2000 وحدة.
إن الاتفاق الذي جرى بين حكومة الاحتلال الإسرائيلي، وممثلي مجلس الاستعمار في الضفة الغربية، وجبهة المؤمنين، لتثبيت وشرعنة مستعمرة “أفيتار”، هو نهج جديد يظهر تكاملاً كبيراً بين حكومات الاحتلال، ومستعمري الأرض باسم الحق الديني التوراتي. يذكر أن محاولات إقامة هذه المستعمرة بدأت عام 2013، إلا أن حكومات الاحتلال كانت ترفض التعاطي معها، بحجة مخالفتها قوانين الاحتلال في بناء المستعمرات. يعني ذلك أن الاتفاق والسرعة في إقامة هذه المستعمرة، من حيث الاستجابة من تلاميذ وطلاب ومؤيدي هذه الحركة لاحتلال جبل صبيح، يعد انصياعاً من حكومة الاحتلال للاستعمار الديني، وإدارة الظهر بشكل علني للشرعية الدولية، والاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين.
يحمل هذا الاستعمار الجديد في طياته مخاطر كبيرة، وينذر بإشعال حرب دينية في المنطقة كلها، ويلغي احتمالية حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، وينسف كل الاتفاقيات الموقعة. إن هذا الأمر يستدعي وقفة جماهيرية فلسطينية لمواجهته، وهو ما تجسده قرية بيتا الصمود التي تصدت لمستعمرة “أفيتار” على أراضيها وحدها، وأثبتت أن الإرادة والمقاومة الشعبية بإمكانها أن تواجه مخططات الاستعمار، وتهزم كل المشاريع الاستعمارية، سواء وقف خلفها أحزاب، أو حكومات، أو حركات دينية صهيونية.
إن الإرادة الشعبية الفلسطينية قادرة على كسر مخططات الاحتلال الإسرائيلي، وإثارة المجتمع الدولي، ومنظمات حقوق الإنسان، والقوى الحية في هذا العالم. إن ما يجسده أهالي قرية بيتا من صمود ومقاومة ضد الاستيطان هو أمر مبارك، وإذا كانت “أفيتار” أنموذجاً للاستعمار الجديد، فإن أهالي بيتا أنموذجاً للمقاومة الشعبية، ومقاومتهم تدل على أهمية العامل الذاتي الفلسطيني لمواجهة الاحتلال، والاستيطان الاستعماري.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *