Connect with us

أقلام وأراء

أعود الى رام الله خاصتي

بقلم:د. أحمد رفيق عوض
رئيس مركز الدراسات المستقبلية في جامعة القدس

اعود الى رام الله خاصتي، المدينة المحاصرة، المحتقنة، المزدحمة، التي يطلب منها ان تصون الثوابت ثم تحرم من كل شيء، المتهمة، التي تقف على مفترق طرق، التي يتكاثر فيها الاسمنت والمقاهي العصرية وتخلو من الاشجار والساحات العامة، التي لا تملك بحراً ولا نهراً ثم يطلب منها ان تكون مدينة سياحية، التي يطلب منها ان تشارك في العرس الكاذب وتُغرى وتُهدد، التي يطلب منها ان تكون البديل والعنوان، اعود الى رام الله خاصتي التي تضطرم بالجدل والاجتهادات وابعد من ذلك واقل، اعود الى رام الله خاصتي الفقيرة المستباحة، المتورمة، المنتفخة بحركة المال الذي يشبه الرغوة.
اعود الى ركني في المقهى على ناصية الشارع الى خصومي الرُعناء والنمائم الصغيرة التي لا تخلو الحياة منها، اعود الى روتيني مع الاحتلال الذي يدّس انفه في كل تفاصيل حياتي، اعود الى اصدقائي الذين حفظت نكاتهم وحركاتهم. اعود الى رام الله خاصتي وشوارعها المرتبكة وفوضى السائقين وتعدياتهم. هذه هي مدينتي، خاصتي. فارتاح، ترتاح روحي وعظامي ودمي.
هذه مدينتي المحتلة المحاصرة، وهذا شعبي الذي أحب، رغم العنف والفوضى والانقسام وقلة الحيلة، ورغم انسداد الافق وعقم التجربة وقلة الانجاز. اعود احضان شعبي المستعد دوماً للتضحية مهما كانت الرؤية ضبابية او حتى عدمية، هذه هي رام الله خاصتي. وهذا هو شعبي، الممزق والمغيب والمهدد بالغرق او النفي.
اعود الى رام الله خاصتي فاتحاً قلبي وذراعيّ لعناقها، رغم كل البشاعة وضيق المساحة وشدة النزاعات والمنازعات، اعود وانا اعلم ان هناك من يخطط لتقليل حجم المطالب ومرجعياتها، وتحويلها من مطالب سياسية الى مطالب انسانية، وان هناك من يخطط لإبقاء الانقسام ابدياً، وان يتم التعايش مع الاحتلال من خلال التحسين والتجميل او اعادة التكييف، وان هناك من يرى في الوطن فندقاً او شركة او مشروعاً او ورقة – كعادة التاريخ الفلسطيني الحديث-. اعود الى رام الله خاصتي وانا اعرف امراضها واسقامها واوجاعها. ولكنها المدينة الوحيدة التي اقول انها خاصتي، مدينتي الجبلية ذات الهواء الشفيف والتنوع البديع وذات الظواهر المتجددة المتلاحقة. الم تسمى يوماً ظاهرة رام الله، حيث الانتفاخ غير المدروس والتورم المرضي وحيث تحولت المدينة الى ان تكون شكل التسوية السياسية ومضمونها وسلوكها.
هذه المدينة العجيبة هي رام الله خاصتي، هي ليست القدس عاصمة الروح والقلب والهوى، وليست حيفا البحر والمهجع والذاكرة. هي رام الله في منتصف الطريق لكل شيء… بين التسوية والحل، بين البحر والنهر، بين الماضي والمستقبل، بين الثورة والدولة.
اترك البلاد التي ذهبت اليها مستجماً حيث الوفرة وقوة الدولة والحياة الحلوة وحيث الدور السياسي والوكالة الامنية للمنطقة… واعود الى رام الله المعذبة خاصتي.. لاطهر قلبي مما علق به من اوهام. رام الله خاصتي مرحلة اخرى من مراحل تشكيل الهوية والوطن.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *