Connect with us

أقلام وأراء

شرق أوسط جديد يقوم على حقوق الانسان “رد على السفير الامارتي”

بقلم: د. دلال صائب عريقات

قبل عام، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب عن “اتفاقيات ابراهام” والتي أفادت أن إسرائيل ودولة الإمارات تليها البحرين والمغرب والسودان، ستقيم علاقات اقتصادية ودبلوماسية تحت مظلة صفقة القرن التي خرجت للعلن ٢٠٢٠/١/٢٨، الرؤية لجعل منطقة الشرق الأوسط مكاناً أفضل ليعيش اليهود والعرب في سلام بعد أن عانت المنطقة بما فيه الكفاية.


الموقف الفلسطيني كان واضحاً وصارماً بمقاطعة الإدارة الأمريكية والاتفاقيات الموقعة مع اسرائيل حتى تعود الادارة الأمريكية عن صفقة القرن وعن اعتبار القدس عاصمة “لليهود”. خلال العام المنصرم، تغيرت إدارة البيت الأبيض، وبمجيء الديمقراطي جو بايدن تصاعدت الآمال وراهن الفلسطينيون على سيناريو خروج ترامب من البيت الأبيض، وأن الأمور ستعود لسابق عهدها وأن مكتب منظمة التحرير سيُعاد فتحه وكذلك القنصلية الأمريكية في القدس، والاعتراف بالقدس ودعم اللاجئين وغيره، وعادت العلاقات الفلسطينية مع اسرائيل وأمريك. للأسف بعد ثماني شهور من تغيير الإدارة الأمريكية، لم تتراجع الإدارة الجديدة عن قرارات الإدارة السابقة، لا ننكر أن اللغة والأسلوب تغير وخرجت وعود صريحة واضحة، إلا أن الحقيقة اليوم واضحة وضوح الشمس مع مرور عام على اتفاقيات ابراهام. إن تطبيق الصفقة مستمر حتى بعد أن تبدلت الإدارات والوجوه، سواء في امريكا أو اسرائيل.
الصفقة لا تتعلق فقط بشخص ترامب ونتنياهو وأيديولوجية النيوليبرالية المتطرفة، الصفقة لا تتعلق بإملاءات ترامب وميكاڤيلية نتنياهو، ولكنها تتعلق بمشروع استيطاني كولونيالي إسرائيلي يُنفذ على الأرض من القدس الى كل مناطق “ج” والضفة الغربية ونشهد بشكل يومي مصادرة آلاف الدونمات وتراخيص لآلاف الكتل الاستيطانية والعالم كله مُتفرج، مُدرك ويُعلق على أن الاستيطان معيق لعملية السلام، هذه التصريحات الدولية الموازية للقانون الدولي لا تصاحبها إجراءات ولا خطوات عملية! بنفس الوقت إسرائيل تستمع بحصانة غير مسبوقة ولا يجرؤ أحد على محاسبتها أو حتى مخاطبتها باللغة القانونية التي تثبت أن ما تقوم به اسرائيل هو جرائم حرب ومخالفات قانونية واحدة تلو الأخرى.
لا يكتفي شخوص المنظومة الدولية بالنفاق وعدم تطبيق الأقوال الى أفعال بسكوتهم عن جرائم الاحتلال، وما تم إثباته هذا العام من فصل عنصري واضطهاد موثق، ولكن ما يزيد من القهر والغضب أن ممثلي المجتمع الاقليمي والدولي وممثلي الامم المتحدة يتمادون ويضللون الصورة بحيث يسوقون أن السلام يعم المنطقة تحت إطار صفقة القرن واتفاقيات ابراهام ويتغنون بافتتاح سفارات ولقاءات تجمع وزير الخارجية الاسرائيلي يائير لابيد مع ممثلي حكومات المغرب والإمارات وغيرها، مضللين الجماهير بأن السلام قد تحقق.
من البديهي أن تعمل أنظمة العالم وحكوماته وراء مصالحها، ولكن ليس من المقبول تضليل شعوب المنطقة والعالم، وليس من المقبول ان يقود حملات التضليل دبلوماسيون عرب أو ممثلو منظمة الامم المتحدة المعنية في واقع الأمر حسب ميثاق انشائها بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين.
لفت انتباهي ما كتبه السفير الإماراتي لإسرائيل قبل يومين في صحيفة (الجيروسالم بوست) https://m.jpost.com/middle-east/the-strength-and-resilience-of-the-uae-israel-relationship-one-year-on-676594 حيث قال: “عام تاريخي بالنسبة للإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، حيث نحتفل بالذكرى السنوية الأولى لتأسيس بلدينا العلاقات. إن الإنجازات التي حققناها خلال هذا الوقت هي نتيجة الخطوات البطولية لقادتنا وقيادات الولايات المتحدة والبحرين الذين دخلوا التاريخ بتوقيع اتفاق إبراهيم في 15 سبتمبر 2020 في حديقة البيت الأبيض.”
ليس من المقبول أن يضلل صانع السياسة الامارتي شعبه وشعوب المنطقة، الوعود بشرق أوسط جديد قائم على السلام والاقتصاد المستدام جميلة، ولكن هذا الحُلم لن يتحقق في هذه المنطقة دون الالتزام بدور وحق أطفال فلسطين، الحل الاقتصادي والازدهار ليس بديلاً عن الحل السياسي.
يضيف السفير الامارتي: “نحن جميعًا ملتزمون بخلق هذا المستقبل لأطفالنا حتى يكبروا وهم يعلمون أن السلام هو الحل لإصلاح المشكلات وخلق الفرص. بدلاً من النظر إلى الشرق الأوسط من منظور التهديدات الأمنية الإقليمية – كما فعلت الأجيال السابقة – يجب أن ننظر إليه من خلال عدسة الفرصة وتمكين شبابنا حتى تصبح هذه العلاقة منيعة”. مرة أخرى كلام جميل لا يعكس الواقع ولا يتعدى كونه تضليلاً خطيراً لشعوب المنطقة، اجيال اليوم تتابع وسائل التواصل الاجتماعي التي أزالت الحدود الجغرافية، وبالتالي لن يدوم هذا التضليل طويلاً، أدوات التواصل والتكنولوجيا الذكية كافية لإظهار الحقيقة.
من يتحدث اليوم عن ثقافة التسامح والقبول والصداقة عليه أن يدرك أن الفلسطينيين كانوا وما زالوا من أوائل من دعا للسلام، وتبنت منظمة التحرير نهج الحوار لحل خلافات الوضع الناتج عن الاحتلال الاسرائيلي، وقدموا الكثير خلال مسيرة استمرت ثلاثة عقود من المفاوضات التي قوضت الواقع وفرضت حقائق على الارض تتنافى مع مرجعيات السلام والقانون الدولي من مضاعفة لمشاريع الاستيطان الكولونيالي تحت شعارات عملية السلام.
اتفق مع قول السفير بأن “هذه المنطقة لا تخص أحدًا حصريًا، جميعًا ننتمي إلى المنطقة ويجب علينا جميعًا العمل معًا لمواجهة التحديات الإقليمية والعالمية”.
نعم، اذن متفقون أنه ليس من المقبول ان يستمر حصار وعزل لمليوني انسان في قطاع غزة، ليس من المقبول استمرار اعتقال وأسر وعزل خمسة آلاف أسير في سجون الاحتلال، وليس من المقبول حرمان شعب بأكمله من أبسط حقوق الانسان من ماء، طاقة، حرية حركة وعمل ودراسة وعلاج…
وعليه، فإن السؤال الذي يتبادر للأذهان: كيف تقبل شعوب المنطقة الحضارية التي تطمح بشرق أوسط جديد يقوم على السلام والاقتصاد المستدام بأن نشهد تفوق عرق على آخر ؟ كيف ترضى ان نشهد تفضيل لاتباع دين دون غيره؟ كيف ترضى بأن تكون القدس “العاصمة اليهودية لدولة اسرائيل” ؟ ألا تُدرك أن هذا هو أساس صفقة القرن التي تعتبر مرجعية “اتفاقيات ابراهام” ؟
علينا أن نسأل أنفسنا ما هو الإرث الذي نريد تركه وراءنا لأطفالنا والأجيال القادمة؟ لدينا نفس الرؤية وهي خلق سلام مستدام وفرص اقتصادية لمواطنينا. من المطلوب التوقف عن تضليل الجماهير ومواجهة حقيقة توغل الاحتلال واستمرار المشروع الكولونيالي المتمثل بالاستيطان والاضطهاد والحرمان. علينا جميعاً وبشكل متساوٍ وعادل سواء من المسلمين واليهود والمسيحيين والأعراق الأخرى أن نركز على العمل معاً لتحقيق مستقبل واعد لأطفال المنطقة ووضع أسس العلم والفن والفلك والكيمياء والتكنولوجيا والرياضة والأدب انطلاقاً من فكرة “حقوق الانسان” وتقع علينا جميعاً مسؤولية ايجاد حل سياسي/اقتصادي وخلق شرق أوسط جديد يقوم على السلام والازدهار والمساواة في الحقوق الإنسانية والسياسية بين جميع أعراق هذه المنطقة بغض النظر عن مرجعياتنا الدينية، العرقية، او الايديولوجية.
قبل أن نأخذ كراسينا على طاولة الفرص، مطلوب من السفير الإماراتي وموقعي “اتفاقيات ابراهام” الإجابة عن سؤال: ما هي حدود دولة اسرائيل التي وقعت معها الاتفاقيات ؟

  • دلال عريقات: أستاذة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي، كلية الدراسات العليا، الجامعة العربية الأمريكية.
اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *