Connect with us

أقلام وأراء

درس من أفغانستان

بقلم: د. عبد الله أبو عي

تمهيد: ما حدث في أفغانستان خلال الشهور القليلة الماضية يقدم درسا هاما في الكرامة لكل الدول التابعة للولايات المتحدة وغيرها من الدول الاستعمارية والمعتمدة عليها في حمايتها من شعوبها.
على الرغم من مرور عشر سنوات على تدخل الولايات المتحدة مصحوبة بقوات متعددة الجنسية من دول حلف شمال الأطلسي، (الناتو – أي قوات التحالف) إلا أن كافة تلك القوات المدججة بأحدث الأسلحة لم تستطع إنقاذ الموقف وقلب المعادلة في تلك البلاد وذلك لأسباب عدة على رأسها أن أية قوة غازية خاصة لشعب عريق في امتلاك عناصر العزة القومية على مدى القرنين الماضيين، إذ أن كافة الدول التي غزت هذا البلد، تحت ذرائع عدة وعلى رأسها حماية النظام القائم ومنع تغييره، لم تستطع الصمود أمام هذا الشعب المقاتل واللمقاوم بقوة وعناد. بدءا من القوات البريطانية، في أوائل هذا القرن، مرورا بقوات الاتحاد السوفياتي، عام 1979، وانتهاء بقوات حلف الناتو عام 2011.
مما يجدر ذكره أن هذا الحلف –أي حلف الناتو- أسس عام 1949 ليكون حلفا دفاعيا إقليميا حسبما تنص عليه اتفاقية إنشائه، أي أنه وفقا لتلك الاتفاقية يضم دول ضفتي الأطلسي الشمالية، أي الولايات المتحدة وكندا بالإضافة إلى معظم دول غرب أوروبا، تحت ذريعة الدفاع المشترك ضد الخطر السوفياتي، إلا أن هذا الحلف الدفاعي الإقليمي، خرق الكثير من نصوص القانون الدولي بدءا من عام 1955، بسماحه لانضمام ألمانيا إلى الحلف، خارقا بذلك نصوص اتفاقيتي يالطه لعام 1943 وبوتسدام لعام 1945، اللتين نصتا على وجوب منع ألمانيا بعد الحرب، من الانضمام لأية أحلاف عسكرية، وانتهاء بتحول الحلف إلى حلف عدواني دولي يمد نفوذه إلى معظم أنحاء العالم، وخاصة العراق وأفغانستان بالإضافة إلى التدخلات الخفية في الشؤون الداخلية لعشرات من دول العالم الثالث، وكذلك خارج نطاق الدفاع عن النفس، كما نصت عليه وثيقة إنشائه.

إنسحاب القوات الأمريكية ومعظم قوات حلف الناتو:
بعد مرور حوالي عشر سنوات على تدخل القوات المذكورة وبعد مشاركتها في قتل آلاف الأفغانيين وتدمير الكثير من مؤسسات الدولة الأفغانية، قررت الولايات المتحدة، خلال رئاسة الرئيس جوزيف بايدن، سحب قواتها من البلاد ولحقت بها قوات معظم دول أوروبا الغربية، الأعضاء في حلف الناتو، وعلى رأسها القوات البريطانية والألمانية.
الأمر الملفت للنظر هو أنه كانت هناك قوات أخرى خارج قوات حلف الناتو، مثل قوات عسكرية من أستراليا، سحبتها أستراليا قبل شهور لعدة أسباب أهمها ارتكاب تلك القوات عشرات أعمال قتل المدنيين مما نتج عنه فضيحة قتل 39 مدنيا بدم بارد، فضحها ضابط أسترالي كان شاهدا على عمليات قتل المدنيين تلك، ونشأ عن ذلك أن سحبت أستراليا تلك القوات في العام الماضي، ورافق ذلك تصريحات لوزير الدفاع الأسترالي بأن أستراليا سوف تعاقب 19 جنديا شاركوا في تصفية 39 مدنيا بدم بارد، بالإضافة لتعويض عائلات أولئك القتلى.

مغزى سحب القوات المذكورة:
لا شك وأن سحب القوات الأمريكية وباقي قوات دول حلف الناتو، يعتبر حدثا هاما ذا مغزى كبير وهو أن هذه القوات دخلت هذا البلد لفرض حكومة متساوقة معها، ليس حبا في مستقبل ومصير الشعب الأفغاني، وحماية لمصالحها الدولية، في دولة أفغانستان ذات الموقع الاستراتيجي، المطل على عدة دول هامة، مثل باكستان وإيران والدول التي انفصلت عن الاتحاد السوفياتي مثل كزاخستان وأزبكستان.
ولعل أهم درس يمكن تعلمه من هذا الانسحاب، وترك حكومة أشرف غني تلاقي مصيرها البائس، هو ذلك الدرس الذي يجب على عشرات الدول، التابعة للامبريالية الأمريكية والبريطانية، بشكل خاص، أن تتعلمه وعلى رأسها عدد من الدول العربية التي تعتمد على حماية ودعم هذه الدول الاستعمارية.
إلا أنني أعتقد جازما أن هذه الدول اعتادت على الاعتماد على دول استعمارية لحمايتها ليس من جيرانها أو أعدائها بل من شعوبها، وهي لن تتعلم أي درس من تجربة أفغانستان، فقد أدمنت على هذا الواقع المذل وتعودت عليه ولولا تلك الحماية فإن معظمها لن يستطيع أن يصمد لأكثر من عشر سنوات.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *