Connect with us

فلسطين

من نُزل حُجّاج روس إلى سجن: “المسكوبية” سرقة مكان وتشويه ذاكرة

رام الله – “القدس” دوت كوم – منار كمال الشويكي- الاحتلال لا يسرق الأماكن ومسميّاتها فقط، بل يحاول محو أصل المكان وتسميته من الذاكرة مثلما هو الحال في “المسكوبية” الذي تحوّل من مكان للسكينة والطمآنينة في القدس، إلى سجن يذكّرنا بأقسى أنواع التعذيب والتحقيق حين نسمع اسمه في نشرات الأخبار.

“مبنى المسكوبية الضخم كان من أولى البنايات التي شُيّدت خارج القدس القديمة” قبل أن يحوّله الاحتلال الإسرائيلي إلى مركز تعذيب

17 فلسطينيًا من القدس قضوا في “سجن المسكوبية” منذ احتلال المدينة وحتى اليوم، آخرهم الشاب عبد المطلب التميمي (43 عامًا) من مخيم شعفاط، والذي تنتظر عائلته نتائج التحقيق في قضيّة اعتداء عناصر الشرطة الإسرائيلية عليه، الأمر الذي أفضى لاستشهاده في عيد الأضحى.

وبحسب رئيس لجنة أهالي أسرى القدس أمجد أبو عصب في حديثه لـ”القدس“، فهي ليست المرة الأولى التي يلاقي فيها أسيرٌ حتفه في المسكوبية، وسيحاول الاحتلال التملّص من نتيجة التحقيق وسيماطل في نشرها، ويدّعي أنّ الوفاة طبيعية، ليعفي السجانين من أي مسؤولية قانونية.

وتقول مسؤولة الإعلام في نادي الأسير أماني سراحنة لـ”القدس” إن “الأحداث الأخيرة أعادت ذكر المسكوبية كشاهد أساسي على العنف والتعذيب، وأنها كما عهدها التاريخ موضع تعذيب بشكل أساسي”.

“المسكوبية”.. من مركز ديني إلى مقر هلاك للفلسطينيين

تعود بدايات وجود المسكوبية إلى 1840، بعد تنافس الوجه الشرقيّ الذي تمثل بمسيحيي أمريكا وشرق أوروبا، والوجه الغربيّ المتمثل باللاتين مثل فرنسا وإيطاليا، على وجودهم في المدينة المقدسة، وبعد بناء أول كنيسة لوثرية في القدس، بدأ الصراع على من سيتملّك القطعة الأكبر في المدينة، وكانت من نصيب روسيا التي حصلت على 64 دونمًا من الدولة العثمانية خارج أسوار البلدة القديمة في القدس، ليقام مبنى المسكوبية في 1864.

يقول الكاتب أسامة العيسة في روايته “المسكوبيّة.. فصول من سيرة العذاب” إنّ “مبنى المسكوبية الضخم كان من أولى البنايات التي شُيّدت خارج القدس القديمة، ليُصبح أحد معالم مدينة كانت تخطو بخفر نحو الحداثة، وكان تشييده كمجمّع روسي شامل، إيذانًا بتأسيس ما عُرف بالقدس الجديدة خارج الأسوار”. ويضيف أنه ومع الانتداب، وضع البريطانيون أيديهم على أملاك الروس في فلسطين، ومن بينها المسكوبية التي حوّلوها إلى سجن استقبل أفواجًا من السياسيين والمثقفين ورموز الحركة الفلسطينية.

تكوّن مجمّع “المسكوبية” من 4 مبان رئيسة؛ القسم الأول منها كان قصر “سيرجي” الذي حوّله الاحتلال الإسرائيلي إلى مقر لجمعية حماية الطبيعة، والقسم الثاني كان القنصلية الروسية التي تحوّلت إلى مقر لمحكمة الصلح الإسرائيلية، والثالث هو بيت الحجاج الروس الذي جرى تحويله من مأوى للحُجّاج إلى مقر هلاك للمعتقلين الفلسطينيين، وبات اليوم السجن المركزي للمسكوبية، أمّا القسم الرابع والأخير فهو كنيسة الثالوث المقدّس، والتي ما زالت قائمة إلى اليوم، وهي كنيسة روسية تشرف عليها الإرسالية الدينية الروسية.

المؤرخ والمرشد المقدسي روبين أبو شمسية، يوضح أنه وبعد احتلال الشطر الغربي من القدس عام 1948، حوّلت إسرائيل ملكيات عديدة إلى “أملاك دولة” حتى تستطيع تحويلها لملكية عامة ومن ثم تتحكم في تسلسلات التمليك الخاصة بها، وتبعًا لذلك حوّلت “المسكوبية” من مكان ديني روسي إلى مركز تحقيق.

الاحتلال الإسرائيلي عمل على تغيير معالم القدس وتشويه ذاكرتها ومسخ هويتها، و”المسكوبية” برهان واضح على ذلك

ويقول أبو شمسية، إن “المسكوبية” واحدة من الشواهد على عظمة القدس وانفتاحها على الديانات والدول الأخرى، كما أنها تمثل “سياسيًا” قمّة التنافس بين الغرب والشرق، ولكن اليوم هي تمثل الوجه الصارخ لمفهوم تحويل الأماكن الدينية إلى أماكن سياسية يُمارس فيها الظلم والتعدي على الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني”.

ومصطلح “المسكوبية” الذي يعني “ساكن موسكو” يعني حرفيًا بعض ما يعيشه الأسير الفلسطيني داخل أقبية الزنازين التي يقارب صقيعها ودرجات حرارتها المتدنية تلك التي يعيشها سكان العاصمة الروسية موسكو. وما زالت الكنيسة الروسية تحتفظ بشكلها المعماري وتحتفظ في أقبيتها بعلم روسي، لا تختلف حمرة اللون المطبوع عليه عن حمرة الدم التي حاول الاحتلال إخفائها عن وجه الأسير سيف النتشة.

44 يومًا في قبر!

اعتقل سيف النتشة في 2016 وجرى حجزه في قسم 20 “الزنازين”، ولاقى خلال 44 يومًا تنكيلًا وتعذيبًا نفسيًا وجسديًا قاسيًا، إذ تم عصب عينيه ووجهه، وحجزه في زنزانة لا يزيد عرضها عن متر واحد، ولا يدخلها أي ضوء أو شعاع شمس، وتنخفض درجة حرارتها إلى ما لا يُطاق.

كاد التعذيب الجسدي الذي تعرّض له سيف أن يودي بحياته، وسبب له مشاكل صحية خطيرة، ويوضح أن أحد المحققين ضربه على عينه أثناء التحقيق، الأمر الذي يستدعي زراعة قرنية لعينه اليمنى، كما أن طبيعة الطعام المقدّم في “المسكوبية” سبب له ارتفاعًا في السكر والدهون الثلاثية وهو ما قد يتسبب له بتجلطات دم قاتلة، إضافة إلى أن المكوث بلا حركة ولمدة 44 يومًا في زنزانة صغيرة جدًا، أدى لإصابته بـ “البواسير”.

قاسم أبو عكر أول من استشهد في “المسكوبية” عام 1969

ويذكر النتشة أن المحققين وعند عدم قدرتهم على إدانته فقدوا أعصابهم، وقيّدوه بكرسي التحقيق وسحبوا رقبته لآخر الكرسي مع ضربه على صدره عند جهة القلب، وسبب له ذلك نزيفًا سرعان ما بدأ المحققون بمسح آثاره فورًا في محاولة لإخفاء عمليات التعذيب.

وعادة يستعيض المحققون عن أساليب التعذيب التقليدية، بأساليب أخرى حتى لا تظهر على المعتقل أي علامات تعذيب عند حضوره للمحكمة أو فحص الصليب الأحمر له بعد 14 يومًا من اعتقاله، حيث يُعذّب المعتقل وينكل به بأساليب مثل الموزة والشبح، ما يسبب له آلامًا حادة جدًا يصعب تحملها، ويمكن أن تؤدي إلى الموت.

فلم يكتف الاحتلال بتحويل نزل الحُجّاج الروس إلى سجن، بل سرق من المكان سكينته والراحة النفسية المصاحبة له، وأبدلها بتعذيب يسبب لأسير صدمات نفسية ووجدانية قد توصله إلى الجنون، وتصاحبه حتى بعد خروجه من السجن، الأمر الذي وصفه سيف النتشة بأنّه “أسوأ مكان ممكن أشوفه أو أسمع فيه”.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *