Connect with us

أقلام وأراء

دولة المؤسسات أم الانتماءات؟

بقلم: د. دلال صائب عريقات

تتالت الأحداث في الأسابيع السابقة وتابعنا مؤسسات الدولة وصانعي القرار يشيدون بدور العشائرية التي تمكنت من حقن الدماء بين أبناء شعبنا في محافظة الجنوب. لا نقلل هنا من أهمية دور العشائرية وارتباطها العلمي والعملي الوثيق بما نطلق عليه دور الوساطة والتحكيم في علم حل الصراعات، ولكن السؤال الذي لا يغادرني هو حول دور السلطة القضائية في فلسطين، فكما ينص القانون الأساس الفلسطيني في المادة (6) أن مبدأ سيادة القانون أساس الحكم في فلسطين، وتخضع للقانون جميع السلطات والأجهزة والهيئات والمؤسسات والأشخاص.

ما جعلني اكتب الْيَوْم هو طريقة تعاملنا مع الأحداث التي شهدتها البلاد خلال الأشهر الماضية، من مقتل نزار بنات إلى ملف التطعيمات إلى حوادث السير وأحداث الثأر. ندرك جميعاً أن الفرد الفلسطيني ما زال منتميا للعائلة، وهنا لست متفاجئة من منطقية الانتماء للعائلة والعشيرة عند حدوث الإشكاليات، ولكنني أتساءل بجدية، كيف لمجتمع دولة المؤسسات التي نتغنى بها أن يحمل ثقافة تعود بِنَا الى الدم والقرابة والمحدد الجغرافي الذي نعيش فيه بدلاً من التشريعات والقوانين؟ كيف يرضى المطالبون بالعدالة المحفوظة في القانون أن تلجأ الدولة الى فنجان قهوة ومبلغ من المال لحقن الدماء بدلاً من إنفاذ القانون؟

نعرف أن بعض المحافظات يميزها الطابع العشائري، وهذا ما نشهده باستمرار. فحتى على مستوى ترخيص جامعة دراسية، رأينا العشائر تأخذ زمام الأمور لنيل المُراد. لا تقتصر العشائرية على محافظة فحسب، لا بل شهدنا محافظات في الشمال والجنوب تتبنى نفس المرجعية العشائرية.

المُستهجن هنا، أن السلطة التنفيذية وفي ظل تفاقم الاشكاليات والأحداث المتلاحقة لم تتخذ أي إجراء صريح وواضح لإنهائها. من المعروف والمقبول في كل دول العالم التي تمتلك قوانين تحترم مواطنيها، أنه لا بد من محاسبة أي كان حتى الرجل العام، كما أن اي فرد عُرضة للمساءلة والمحاسبة والإقالة في حال أساء استخدام منصبه، فما بالنا بالدولة التي تتبنى برنامج عنوانه “المواطن أولاً”؟

نعود لسؤال هذا المقال: لماذا نرضى بأن تغلب العشيرة كل الانتماءات الاخرى، لماذا نُغلب العشائرية على القانون، هل نطمح بدولة مؤسسات ام نكتفي بالانتماءات ؟! هناك بعض الملاحظات قبل الإجابة:

أولاً: أحكام القضاء واجبة الاحترام والتنفيذ والامتناع عن تنفيذها أو عرقلة تنفيذها “جريمة يعاقب عليها بالحبس والعزل من الوظيفة إذا كان المتهم موظفاً عاماً أو مكلفاً بخدمة عامة”…(المادة 8 من قانون السلطة القضائية رقم 15 لسنة 2005).

ثانياً: نشتكي من تزايد انتهاكات حقوق المواطن فيما يتعلق بالقضاء، ويستفزنا نحن الجماهير امتناع الجهات المعنية من مسؤولين في مواقع عامة عن تنفيذ بعض الأحكام وننتقد دور “النيابة العامة” في عدم تنفيذها للأحكام ونتهمها أحياناً بعدم الجرأة لإثارة بعض المواضيع، ولكن عندما نتعرض لحادثة ما، نعود لقانون العشيرة!
ثالثاً: محافظات الوطن غنية بالشباب حملة الشهادات المطّلعين على الأنظمة العالمية في الدول الديمقراطية والمتقدمة، ولهذا أستغرب كيف تقبل هذه الشريحة أن يستمر الحال بهذه الطريقة وكيف تتغنى هذه الشريحة الشابة المتعلمة بالعشائرية؟

رابعاً: كل الاحترام والتقدير لمن يتفاني في خدمة الصالح العام وحل المشكلات والارتقاء بمستوى الخدمات والمرافق، بالرغم من ذلك، يستوقفني اللجوء للطريقة العشائرية عند نشوء الخلافات بين أبناء البلد. التصريحات الرنانة تفيد بأن لا أحد فوق القانون إلا انه وعند الممارسة نجد اصحاب الشأن يلجأون للعائلات والنوادي والاتحادات والمؤسسات لجمع التأييد والحشد للاستنكار والرفض والعودة لمربع العشائرية بدلاً من استخدام القانون.
خامساً: من يُخطىء يجب أن يعترف بالخطأ ويجب أن يقبل المحاسبة حتى لو كان في أعلى المراتب، فتقلد الأفراد لوظائف عامة رفيعة المستوى تزيد من المسؤولية والتكليف والعبء على هذا الشخص وليس الامتياز والحصانة كما يظن البعض في مجتمعنا!

سادساً: في ظل التعيينات العامة ومنها الدبلوماسية، لا بد من تغيير السلوك السائد في اختيار الأفضل من حيث الكفاءة، لا بد من ابتعادنا عن تفضيل العشائرية، فالعلاقات الأسرية والدم الذي يربط أبناء القبيلة ليس معياراً للكفاءة وليس معياراً للارتقاء بهذه المؤسسات وليس انعكاساً سوى للغة المصالح الشخصية وتفضيلها على المصلحة العامة.

يتكرر جواب منطقي نسبياً، بأن هؤلاء المواطنين لا يثقون بمنظومة القضاء الفلسطيني بأن يعيد لهم حقوقهم، وهناك أمثلة كثيرة تؤكد هذا الطرح منها نتائج التحقيقات في الجرائم والملفات المختلفة التي لم يتم متابعتها بالشكل اللائق ولكن هل هذا مبرر لتفضيل العشائرية؟

تعود المسؤولية على صانع القرار الفلسطيني وحامي القانون الأساسي ومؤسسات هذه الدولة الذي يتوجب عليه حماية استقلال وصلاحية كل من السلطات الثلاث!

نحن نسيء لأنفسنا ولمؤسساتنا وللأجيال القادمة، علينا التفكير جدياً بسلوكياتنا وردود أفعالنا عند التعامل مع المواضيع الحساسة التي تمس المصلحة العامة. إلى جانب إنهاء الانقسام والديمقراطية والشفافية، إن لم نعزز القضاء وندعم حريته واستقلاله ونوظف أدواته لن نحقق كرامتنا الوطنية.

  • د. دلال عريقات: استاذة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي، كلية الدراسات العليا، الجامعة العربية الأمريكية.
اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *