Connect with us

أقلام وأراء

الدعاية للقضية الفلسطينية بين العواطف والمعلومات العلمية واتقان عرضها

بقلم: د: عبد الله أبو عيد

كثيراً ما تستفزني أساليب بعض الأكاديميين والمثقفين الفلسطينيين والعرب في عرض القضايا الوطنية خاصة ما يتعلق بقضية فلسطين.
ولعل أفضل مثال على هذا الاستفزاز هو ما شاهدته قبل أيام على شاشة (بي بي سي عربي) خلال مناظرة بين اعلامي فلسطيني شهير هو الأستاذ عبد الباري عطوان ودبلوماسي مثقف اسرائيلي هو مثير كوهين، استمرت المناظرة لمدة تقارب من نصف ساعة وأدارها المذيع الشهير “زين الدين زرقي”.
أبرز ما يمكن ذكره في تلك المناظرة هو أن الدبلوماسي الاسرائيلي تحدث بهدوء أعصاب وخلط الحقائق مع الكثير من المغالطات لكن بأسلوب ماكر يتسم به الكثير من المثقفين الصهاينة في اسرائيل وخارجها، بينما تميزت مداخلات الأستاذ عطوان بالعواطف والعصبية.
الموضوع الاساسي في المناظرة كان : (ما تقوم به عدد من المؤسسات الاسرائيلية بمساعدة المستوطنين وقوات الأمن وبغطاء قانوني، لطرد سكان عدة عمارات في الشيخ جراح من مساكنهم التي يسكنونها منذ أكثر من 60 عاماً) بحجة أن هذه المساكن كانت مملوكة لمواطنين يهود قبل عام 1948، وكيف أنه تم تجنيد سلطات الأمن والاعلام والقضاء لصالح طرد المواطنين الفلسطينيين وتسليم المساكن لليهود.
خلال المناظرة تطرق الاستاذ عطوان إلى أن اسرائيل طردت مئات الآلاف من الفلسطينيين من قراهم ومدنهم وصادرت ممتلكاتهم التي تقدر بمئات المليارات من الدولارات كما هدمت أكثر من 500 قرية وقامت بتنظيف عرقي ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وكانت لهجته تتسم بالعصبية والانفعالية. بينما كان رد الدبلوماسي كوهين يتسم بأسلوب ماكر حيث ذكر للأستاذ عطوان قائلاً: (لا تنسى بأن أكثر من ثماني مائة ألف يهودي طردوا من البلاد العربية وأن أملاكهم تزيد قيمتها على أملاك الفلسطينيين في اسرائيل، وأن سبب ذلك كله رفض القيادات الفلسطينية لقرار التقسيم لسنة 1947 وتحريضهم الدول العربية لشن هجوم على اسرائيل، ولولا هذا التحريض الفلسطيني لما تم طرد مئات آلاف اليهود من الدول العربية).
أسلوب ماكر وتبريرات مفبركة للأسف لم يتم الرد عليها بأسلوب علمي مع ذكر الحقائق المتعلقة بكيفية قيام الحركة الصهيونية والوكالة اليهودية بمساعدة عدد من الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا بالتعاون مع بعض الحكام العرب، بتهجير عشرات آلاف اليهود بأساليب متنوعة صاحبتها تهديدات لأرواح اليهود من قبل بعض المؤسسات الصهيونية كما حدث في العراق، وبخاصة في منطقة البتاويين حيث تم القاء قنابل على الكنس اليهودية وعلى بعض منازل اليهود، مصحوبة بإعلام منظم كي يدب الرعب في نفوس أكثر من (180) الف يهودي كانوا يقيمون في العراق منذ مئات السنين. وخير دليل على هذه الأمور ما كتبه كاتبان يهوديان أمريكيان قبل أكثر من عشرين عاماً حول هذه الأمور. وقد ذكرا في تقريرهما كيف أن حكومة نوري السعيد والمخابرات الأمريكية، ساهمت بجهد ملحوظ، بالتعاون مع السلطات الاسرائيلية في عمليات نقل اليهود من بغداد مباشرة إلى تل أبيب. ومما يجدر ذكره أن آلاف اليهود العراقيين هجروا عنوة دون ارادتهم وهذا ما يؤكده الكثير من أبناء اليهود العراقيين المقيميين حالياً في اسرائيل.
بالمثل فإن تهجير يهود المغرب تم بإشراف الوكالة اليهودية وبالتعاون مع أجهزة أمريكية وغربية وبعض المسؤولين المغاربة. وفي جميع الأحوال كانت الوكالة اليهودية تدفع عشرات الملايين من الدولارات في سبيل تهجير آلاف اليهود من الدول العربية ومن دول مجاورة مثل ايران وأثيوبيا. وخير دليل على تعاون الوكالة اليهودية وغيرها من المؤسسات الصهيونية هو أن الكثير من الأخبار ومن جملتها صحف اسرائيلية، ذكرت بأن اسرائيل دفعت للرئيس السوداني النميري، في سبعينيات القرن الماضي(40 مليون دولار) مقابل جهوده الرئيسية في تهجير يهود الفلاشا من أثيوبيا.
وكان يجب أن يسأل السؤال هل الدول العربية أيضاً هي التي هجرت يهود أثيوبيا وايران والهند وأذربيجان وكازخستان وروسيا وأوكرانيا وعشرات الدول الأخرى.
هكذا كان من المفروض الرد على الدبلوماسي كوهين، بأسلوب علمي مع عرض المعلومات المذكورة وغيرها من المعلومات التي أصبحت متوفرة لنا، وليس بأسلوب عاطفي ومتهيج فمثل هذا الأسلوب يضر بقضايانا وإن كان من شأنه أن يرفع معنويات آلاف المواطنين غير المثقفين وما قيمة ذلك إلى جانب الأضرار التي تصيب قضايانا من جهتين هما:
1- جعل المواطن العربي ينتعش معنوياً وينتفخ فرحاً عن طريق بعض الاهازيج المهيجة، دون تثقيفه وتزويده بالوعي اللازم لرفع مستواه العلمي والثقافي، مثل التي كان يذيعها أحمد سعيد والتي رأينا نتائجها عام 1971 حينما تم انقلاب السادات دون أية مقاومة من الجماهير غير الواعية وغير المنظمة.
2- أما الناحية الأخرى وهي عدم ذكر الحقائق التاريخية والحقيقية حول أن الحركة الصهيونية وأداتها الدولية (الوكالة الصهيونية) هي التي قامت بتهجير عشرات آلاف اليهود لبناء دولة يهودية خالصة، ولتقوية العمق اليهودي في اسرائيل ولجلب عشرات الآلاف من اليهود الذين سيكونوا عماد الجيش الاسرائيلي المنفذ للسياسات الصهيونية المرسومة من القيادات.
يجدر بنا أن نذكر أن المذيع زؤقي لعب دوراً سلبياً في طرح الأمور بشكل مغاير للحقائق. إلا أنه لا يمكننا لومه لأن المسؤولية الرئيسية في اظهار هذه الحقائق يقع على عاتق أصحاب القضية، علماً بأن هذا المذيع يبدع في مناسبات أخرى في طرح القضايا بأسلوب علمي دقيق وجريء.
خلاصة القول أننا يجب أن نستند في عرضنا للقضايا الوطنية على الأسلوب العلمي السليم المستند إلى احصائيات ومعلومات تاريخية، وهي الآن أصبحت متوفرة بغزارة شريطة أن نتقن كيفية طرحها وأسلوب استخدامها.
وفي الختام، أود أن أذكر بأنني في عدة مؤتمرات وندوات دولية في بريطانيا وأمريكيا قمت باستخدام الاسلوب المذكور أعلاه ولاحظت أن تأثير ذلك كان كبيراً على الحاضرين، أي عرض الأمور بهدوء وحكمة دون هياج وتوتر مع التركيز على المعلومات التاريخية التي تدين الطرف الآخر وتبين مدى ظلمه ومخالفاته الخطيرة ضد الشعب الفلسطيني وكذلك مدى تزويره للتاريخ والحقائق ويمكننا في هذا المجال الاستناد على مؤلفات عدد من المؤرخين اليهود الجدد من أمثال آڤي شليم(Avi Shlaim) ، و ايلان بابي Ilan Pappe))، وغيرهما من اليهود التقدميين.
ويجدر هنا ذكر أنني درّست مساق: (النزاع العربي الاسرائيلي ضمن برنامج دراسات الشرق اوسطية في احدى الجامعات الامريكية في العام الدراسي 2005/2006 كأستاذ زائر بموجب بعثة فولبرايت، واعتمدت في منهاج التدريس على عدد من المؤرخين الجدد مما كان له أثر كبير على الطلبة دون أن يتمكن أحد من اتهامي باختراع المعلومات او تزييفها.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *