Connect with us

عربي ودولي

مدينة عراقية تلجأ للموسيقى لإعادة اللحمة بين سكانها التي مزقها الارهاب

الموصل، العراق- (شينخوا)- لجأت نخبة من أبناء مدينة الموصل مركز محافظة نينوى شمالي العراق إلى الموسيقى لترميم ما خربه تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وإعادة اللحمة بين مكونات المدينة، وبث الأمل في نفوسهم.

ولكون الموسيقى لغة عالمية يفهمها الجميع بمختلف طوائفهم واديانهم واعراقهم، شكلت مجموعة من المهتمين بالموسيقى فرقة (أوركسترا وتر) بالتعاون مع راديو (الغد)، وهي أول فرقة من نوعها بعد تحرير المدينة، التي حرمت من تقديم الموسيقى بسبب سيطرة التنظيم المتطرف ومنعه لها كونه يعتبرها من المحرمات.

وتشكلت الفرقة، التي تضم 35 عازفا من الهواة، تتراوح أعمارهم بين (15 و 35 سنة)، ومن كلا الجنسين اختيروا من أصل 100 شاب تقدموا للانضمام اليها، من كل مكونات محافظة نينوى، في نوفمبر 2020 وقدمت أول عرض لها في ابريل الماضي على مسرح قاعة الربيع، المهدم لتوجيه رسالة للجهات المختصة لإعادة اعماره واعمار المدينة كلها، ونشر الأمل والحب عن طريق الموسيقى بدل صور الموت التي خلفها التنظيم المتطرف.
وأنشأ هذا المسرح العام 1968 وقدمت عليه العديد من الفعاليات الفنية العربية والعالمية في مهرجانات الربيع التي كانت تقام سنويا، في سبعينيات القرن الماضي، وغني عليه معظم المطربين العرب المشهورين مثل وردة الجزائرية وصباح فخري ووديع الصافي وغيرهم، فضلا عن تقديم العديد من الشعراء العرب المشهورين لقصائدهم.

ولكون التنظيم المتطرف مزق النسيج الاجتماعي في محافظة نينوى، التي كانت تتميز بالتعايش السلمي حيث يعيش فيها مختلف الديانات والاعراق والقوميات متجاورين، لذلك حرص القائمون على الفرقة أن يكون أعضاؤها من مختلف أطياف المحافظة، في محاولة لإعادة اللحمة الاجتماعية.

وقال المايسترو محمد محمود قائد الفرقة لوكالة أنباء (شينخوا) “حرصنا في الفرقة على استقطاب أطياف المجتمع بمحافظة نينوى، ومدينة الموصل تحديدا، فمدينة الموصل قديما معروفة بمدينة التعايش السلمي، حيث تجد في الشارع الواحد بأزقة المدينة القديمة، المسلم والمسيحي واليهودي يتعايشون بسلام، فحرصنا على تقديم هذه الصورة وأن يكون هذا التنوع في الفرقة”.

وأضاف “كانت الفكرة أن نشكل فرقة موسيقية في الموصل لأنها محرومة منذ فترة من الفرق الموسيقية، فحرصنا على تقديم الموسيقى الفلكلورية الخاصة بالموصل، فضلا عن تقديم مقطوعات موسيقية حديثة”.

والهدف من تشكيل هذه الفرقة هو لإعادة إحياء تراث وفن وحضارة هذه المدينة، التي تضم الكثير من الفنانين التشكيليين والمسرحيين الذين خدموا الفن العراقي والعربي، وايصال رسالة للعالم بان الموصل مدينة حية وليس كما اشيع عنها، وما حصل فيها من دمار لن يقضي عليها، فهي مدينة يمكن أن تمرض لكنها لن تموت وستعود إلى سابق عهدها.

ويؤكد محمود الحرص على إعادة الصورة الجميلة لمدينة الموصل، من خلال فرقة (أوركسترا وتر)، ومن خلال الموسيقى، لان الموسيقى هي لغة الشعوب التي يمكن من خلالها إيصال ثقافات هذه المدينة للعالم.
ويقارن محمود الوضع الحالي بعد التحرير مع الوضع خلال سيطرة التنظيم المتطرف قائلا “خلال فترة سيطرة داعش على المدينة كان من المستحيل أن يحمل أي شخص آلة موسيقية ويتنقل بها من مكان لمكان، وكنا نخبيء الآلات الموسيقية في بيوتنا، والكثير من العازفين كسروا آلاتهم الموسيقية خوفا من بطش الجماعات الارهابية، أما الآن فقد عادت الحياة للمدينة، وليس فقط الشباب يستطيعون أن يحملوا الآلات الموسيقية بل حتى النساء والاطفال يحملونها ويتنقلون بها من مكان إلى مكان بسلام وأمان”.

وأيد الشاب المسيحي سام سالم (30 عاما) عازف كمان وعضو الفرقة يسكن الحمدانية (30 كم) شرق الموصل ما قاله قائد الفرقة المسلم، إن التعاون والتعايش السلمي هو أحد الأهداف الرئيسة للفرقة.

وقال سالم “من خلال النشاطات في (أوركسترا وتر)، وبقية النشاطات الأخرى التي نجمع فيها جميع أطياف المحافظة من المسيحيين والمسلمين والأزديين سويا ونحاول ارجاع الحياة إلى كل ارجاء المحافظة، ونحاول تدريجيا أن نمسك أيدي بعضنا البعض، ونعمل سويا ونعمر”.

وعانى سالم الكثير من التنظيم الارهابي ما اضطره للخروج من بلدته منتصف الليل تاركا كل شيء، متوجها إلى أربيل ولم يصطحب معه سوى الكمان الذي يصفه بالصديق الذي يلجأ اليه في الوقت العصيب، ومحفظته.
ويعشق سالم الموسيقى حيث تقدم إلى أكاديمية الفنون الجميلة خمس مرات لغرض الدراسة، لكنه فشل لان معدله الدراسي لا يؤهله للقبول في الكلية ورغم ذلك لم يستسلم وسافر إلى بغداد، ودخل دورات على الكمان لمدة ستة أشهر ليعود لبلدته ويشكل فرقتين موسيقيتين ويدرب الشباب على الآلات الموسيقية.

وأوضح سالم لـ(شينخوا) “بالنسبة لي فان الموسيقى هي اهم شيء في حياتي، فعندما أشعر بالحزن أعزف الموسيقى الكلاسيكية أو الموسيقى الشرقية، من القطع الموسيقية الهادئة من مقام الحجاز أو الصبا”.

وأضاف “الموسيقى هي الصديق الوحيد بالنسبة لي، في فترة من الفترات كنت بحاجة إلى صديق لكن لم أجد، فوجدت أن أقرب صديق لي هو الكمان”.

وسيطر التنظيم المتطرف على الموصل في يونيو العام 2014، وأعلن ما يسمى بدولة الخلافة، وطبق فيها قوانينه الخاصة، التي منعت الكثير من الاشياء على أبناء المدينة ودمر المسارح والآلات الموسيقية وكل ما له علاقة بالفن، فضلا عن قتل وتهجير الاقليات الدينية.

واستعادت القوات العراقية في العاشر من يوليو العام 2017، المدينة بعد معارك شرسة استمرت نحو تسعة أشهر، لكنها خلفت دمارا كبيرا فيها ما تزال اثاره موجودة حتى الآن رغم مرور أربع سنوات على استعادة المدينة، لكن لم تطلق حملة اعمار تتناسب مع حجم ذلك الدمار.

فيما ترى تارة امانج أصغر عازفة في الفرقة (15 عاما) والتي دمر التنظيم المتطرف منزل عائلتها واضطرت للمغادرة إلى السليمانية، أن الموسيقى تعطيها الأمل لذلك تلجأ اليها للتغلب على صعوبة الحياة.

وقالت امانج مبتسمة “الموسيقى تجعلك تتنفس بعمق”، مضيفة “عندما تشعر بالتعب أو التوتر والقلق بسبب الحياة، فقط استمع أو اعزف الموسيقى فهذا سيجعلك خلاقا، وسيجعل للحياة معنى”.

وتحلم هذه الفتاة بأن تكون طبيبة جراحة وعازفة مشهورة في المستقبل واصفة الموسيقى بأنها “الأمل والحياة لكي شيء” مختتمة كلامها بالقول “لن اتخلى عن الموسيقى ابدا”.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *