Connect with us

أقلام وأراء

“الدبش” ينقذ ما يمكن إنقاذه في البحث التاريخي

بقلم: أ. حسام أبو النصر

أخيرا صدر مقال مهم جداً للباحث والكاتب أحمد الدبش بعد سنوات طوال في العمل البحثي في التاريخ القديم، بعنوان (عودة عن خطأ السنوات المبكرة: لم يحتضن اليمن ملوك بني إسرائيل)، يعترف فيه بشكل صريح وواضح أن كتبه الأولى جاءت بمغالطات تبين سقوطها أمام الأدلة العلمية، فيقول: “فلم يكن اليمن المسرح الجغرافي لإبراهيم، ولم يشهد خروج موسى وجماعته، ولم يتم تدمير مدنه على يد يوشع بن نون، ولم تحتضن الجغرافية اليمنية أياً من ملوك بني إسرائيل، ولا يوجد دليل أثري يشير صراحةً، أو ضمنياً، إلى وجودِ المملكة الداوديَّةـ السليمانيَّة، ولم تذكر النقوش اليمنية أحداث «الكتاب المقدس»، ولا توجد نقوش متزامنة مع الأحداث «المُتخيلة» التي وردت في «الكتاب المقدس».

ثمّة حقيقة مهمة، تكمُن في أنّ قرناً من البحوث الأثريّة المكثَّفَة؛ لم يتمكن من تقديم البُرهان على أن أحداث «الكتاب المقدس»، وقعت سواء في فلسطين أو في خارجها، وأي ادعاء بغير ذلك غير صحيح على الإطلاق وتزوير للحقائق.”

ومن خلال علاقتي ب “الدبش” منذ أكثر من عقد، كان رأيِي واضحاً بهذا الخصوص وخلافي معه برفضي القاطع للفكرة، وتجادلنا كثيراً، وكان ردي أن لا دلائل مادية على كل هذا الضجيج، ورغم عدم وجود أي تواصل بيني وبين فاضل الربيعي، إلا أني ناقشته في ندوة له كانت عبر الفيديو كونفرنس في مؤسسة طباق، وكنت واضحاً معه أن لا دلائل في كل ما تقوله، وسألته خمسة أسئلة تضمنت ماهية الدلائل المادية حول الجغرافية التوراتية ووجودها في اليمن، وهل تشابه الأسماء والمدن والأماكن كاف لاسقاط نظرية كاملة عليها؟!، ولم يجب عن ذلك، والأهم عملية تأويل النقوش وقراءتها كل حسب رؤيته ونظرته مما خلق حالة لغط وجدل ارهقت القارىء العربي، بل شككت بكل تاريخنا بسبب مثل هذه النظريات غير الواقعية، وأدخلت الكتاب والنقاد في حالة زوبعة كان الأولى ان يستثمروها في إغناء المكتبة العربية وسد النقص التأريخي فيها بدل من هذه الجدليات العقيمة التي وقع فيها كثير منهم، ليس فقط الربيعي ويوسف زيدان وغيرهم الذين دخلوا على خط كتابة التاريخ، وأصبح كل شيء مباحاً في الطرح، وأصبح كل شيء يناقش وبعد ذلك يبحث عن الدليل وليس العكس أن نكتب التاريخ وفق الدليل المتاح، وكنت أؤكد دائما أن ليس الهدف من وراء نفي الوجود اليهودي في فلسطين أن يعني وجودهم في اليمن أو أي جغرافيا تاريخية أخرى، بالعكس حتى الرواية التوراتية التي يتم تداولها عن وجودهم في بعض جغرافية فلسطين، تتنافى مع وجودهم الآن في يافا وحيفا وعكا وغيرها من مدن الساحل التي لم تكن مسرحاً لوجودهم التوراتي.


“الدبش” الذي أعرفه منذ عشر سنوات تقريباً في أول لقاء لنا حين دعاني المؤرخ عبد القادر ياسين لحضور محاضرة للدبش في ورشة التحرير في شارع عدلي، رأيت فيه من اللحظة الأولى العنفوان والغيرة العلمية لحجم التزوير الذي يتعرض له تاريخنا، وقد يكون هذا الدافع الرئيس الذي جعل منه فيما بعد باحثاً مهماً في التاريخ القديم الذي يعاني شح الإمكانيات وندرة المؤرخين، وقلة المصادر، ما جعل الدخلاء يعبثون في علم التاريخ، خارج الدلائل الأثرية، والمخطوطات الحجرية، فيما أصبح الشارع العربي لا يحتمل مثل هذه النظريات التي أرهقته، وأدخلته في دوامة شككت بكل تاريخنا، تحت ذريعة مواجهة الرواية الإسرائيلية، ورغم تحذيري من الوقوع في مثل هذه الاخطاء والانزلاق نحو جدليات غير مثبتة، إلا أن اعتراف “الدبش”، لا يقلل من أهمية أعماله التي تتعلق بالتاريخ القديم، منها “معذرة آدم لست أول البشر”، “يهودية الدولة الحنين إلى الأساطير” وصدر له مؤخراً “القدس التاريخ الحقيقي”، و”فلسطين في العقل الأمريكي 1492-1948م”، فيما يشكل اعترافه إعادة تصحيح لمسار كتابة التاريخ في شكله الصحيح، وشكل ضربة لأصحاب النظريات الوهمية، وهذا ما آثار زوبعة، تطلبت مني على الأقل إبداء الرأي كي لا نترك الساحة حبيسة التجاذبات التاريخية وتحويلها إلى مواقف شخصية، تضر بمصلحة كتابة التاريخ، وهذا الاعتراف هو أساس الموضوعية التي ينشأ عليها أي باحث، ويصوب المنهجية الخاطئة التي قد تكون اتبعت في وقت ما، وأدت إلى نتائج غير صحيحة، واعتبر أن طرحي كان صحيحاً منذ البداية من أن هذه النظرية (اليمن وبني إسرائيل) ووجود الممالك الإسرائيلية هناك، لا أساس لها، وأن السنوات الطوال التي استغرقت في مناقشة هذه الجدلية بل واستنساخ باحثين من أجل هذا الموضوع أثبتت فشلها، فأصبح الأهم الآن هو البحث عن من حملوا هذه الافكار المغلوطة، وإعادة تصحيح الإنحراف التاريخي لديهم، كي لا يتشكل جيل كامل يناقش نظريات غير مثبتة، وقد يختلف علم التاريخ عن باقي العلوم، حيث إنه علم غير قابل للتجريب والتجارب، فهو ليس كمياء أو فيزياء، ولايحتمل نجاح أو فشل التجربة، بل هو علم قائم على الدليل منذ اللحظة الأولى، ومساحة تفسير ظواهره متاحة إلى حد ما، وإلى مدى معين، إذا زاد عن حده يصبح تأويلاً وتهويلاً، وإذا بني على التأويل ندخل في اتجاه خارج سياق التاريخ.

لذلك دائما ما أقول وجب إعادة كتابة التاريخ لا إعادة قراءَته، فإعادة قراءَته قد تعني إعادة تأويله، والتاريخ مفترض أن يكتب لمرة واحدة، لأن الدليل لا يحتمل الشك فيه، واعادة كتابته لأنه لم يكتب بشكله الصحيح المتكامل، وهذا يعني أن هناك حقائق في كتابة التاريخ، ولكن ليست كاملة، وهذا يسبب ثغرات تفتح مجالاً لصور الدخلاء على العلم على حساب الحقيقة، خاصة من قبل الروائيين الذين يعتقدون للحظة ما أنهم أصبحوا مؤرخين، وهنا تكمن المعضلة.

*مؤرخ فلسطيني

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *