Connect with us

أقلام وأراء

لا تبكوا أطلال لفتا: فالفلسطينيّون صامدون ولن يتم أبداً انتاج فيلم بعنوان “آخر الفلسطينيين!”

بقلم: ريما نجار

إن آخر ما يحتاجه الفلسطينيون هو أن يتقبلوا الألم والأسى جراء تجريدهم من أرضهم على يد نظام دولة الفصل العنصري الاستيطانية الاستعمارية اليهودية. إن آخر ما نحتاجه هو أن نرضخ “للوقائع على الأرض”.
نشرت صحيفة هآرتس مؤخراً مقالةً (هذه المقالة التي كتبها جدعون ليفي وأليكس ليفاك) حول قرية لفتا الفلسطينية المهجرة قسرياً، وقد عبرت هذه المقالة عن الأسف والحزن إزاء الزوال الوشيك لأنقاض ما تبقى من القرية الفلسطينية التاريخية، وبالتالي ما تبقى من كل فلسطين. تقرأ هذه المقالة، وكأنما تقرأ مرثىً. فهي تركز على الخسارة، والحزن، والأسى؛ في الوقت الذي نحن الفلسطينيون في أشد الحاجة فيه إلى الأمل والثورة والمقاومة.
بدا العنوان على هآرتس كالتالي: “القرية الأكثر حزناً في اسرائيل – الخطط لبناء أكثر من 250 منزلاً فاخراً (لليهود الإسرائيليين) على أنقاض القرية الفلسطينية لفتا على وشك البدء. جولة بين أطلال القرية الخلابة مع أحد آخر اللاجئين منها”.
يبدو التأطير الصهيوني واضحاً منذ البداية في ذلك العنوان، أولاً في حذف أي ذِكر للفئة التي ستُبنى لها تلك البيوت الفاخرة (أضفتها أنا بين قوسين)، ومن ثمّ، يقوم بالجولة يعقوب عودة، الذي وُصف بشكلٍ مضلل على أنه أحد “آخر اللاجئين الأحياء من لفتا”.
إن يعقوب عودة هو ليس أحد “آخر الأحياء” اللاجئين من لفتا. إن أحفادي والأطفال الآخرين الرضع الذين يولدون في أيامنا هذه لعائلات لفتاوية هم الآخرين، أو بالأصح، هم الجيل الحي الأحدث حالياً. يعرف الفلسطينيون كما المجتمع الدولي اللاجئين الفلسطينيين على أنهم يشملون كل أحفاد لاجئي عامي 1948 و1967 والأفراد المنحدرين من نسلهم.
لن يكون هناك أبداً فيلم عنوانه “آخر الفلسطينيين!” …
يقول ليفي وليفاك: “إن هذه هي أكثر القرى حزناً في إسرائيل، وربما أيضاً هي أجملها”.
هل حقاً لفتا هي القرية الأكثر حزناً والأجمل في إسرائيل؟ لا، ليست كذلك. أحزن منها، وكمثلها جمالاً عين كارم المجاورة التي خضعت فعلاً “للتجديد” والتي أصبحت إحدى أكثر الوجهات المقدسية شعبيةً لدى السياح. “لا تزال عين كارم مكاناً هادئاً تزينه الأشجار وحقول العنب، ولكن انتشرت فيها بلدية القدس حتى تدمج القرية العربية سابقاً في مخططاتها”. لقد أصبحت “بلدة يهودية، بلدة للفنانين والحرفيين اليهود، إلا أنه تكثر فيها الكنائس والأديرة المسيحية على الرغم من ذلك”، وفقاً لموقع seetheholyland.net.
يفقتر مشهد البلدة إلى المساجد فقط! (ملاحظة: من بين ما يُقدّر بـ 3180 نسمة كانوا يقطنون عين كارم في عام 1945، كان 2510 منهم مسلمين، و670 مسيحيين؛ أما اليوم فيسكن عين كارم حوالي 2000 يهودي إسرائيلي).
وبنفس مقدار الحزن، وذات مقدار الجمال، المئات من القرى الفلسطينية التي تسكن في ذاكرة أولئك منا الذين لم يروها قط إلا في مخيلاتهم، تلك القرى التي هجرتها قسراً القوات اليهودية وسوتها بالأرض وغطتها بالغابات، هناك حيث لا أطلال لنبكيها ونتحسر عليها. على سبيل المثال، يمكن مطالعة: “وثائقي جديد يكشف قصة قرية فلسطينية غطتها غابات الصندوق القومي اليهودي للأشجار – قرية لوبيا الفلسطينية التي تم تهجيرها عام 1948، تم نفي سكانها وتحويل مبانيها إلى حطام وأنقاض. كما يبين الوثائقي الجديد، لا تزال الأنقاض بائنة من بين أشجار الغابة التي زرعها الصندوق القومي اليهودي”.
لا تزال لفتا جميلة، حتى مع كونها أطلالاً، وقد كانت أكثر جمالاً قبل عام 1948، ولكن هذا كان حال المئات من القرى والبلدات الفلسطينية.
نعم، لقد بكينا وانتحبنا وتحسرنا على مدار سبعة عقود مضت، ولكننا أيضاً صمدنا وقاومنا ودافعنا عن أرضنا المغصوبة والمدمرة، تماماً كما يفعل الفلسطينيون الآن في غزة، وفي الشيخ الجراح، وفي سلوان، وفي العراقيب.
إننا نقف على أرضنا المقدسة في المسجد الأقصى، في البلدة القديمة من القدس، ونحن ندرك جيداً ما حدث لحيّ المغاربة، الذي هدمته اسرائيل في 11 حزيران من عام 1967. تسميه الدولة اليهودية الآن حي اليهود، بعد أن “جددته” كما تنوي في خططها الحالية أن تجدد لفتا بشكلٍ حصري للملكية الإسرائيلية اليهودية.
لقد كان هدم لفتا الخطوة الأولى في تطهير القدس من الفلسطينيين في عام 1948. كما كان هدم حي المغاربة الخطوة الأولى نحو تطهير القدس من الفلسطينيين عام 1967.
ولكن لنتذكر، يمكن أن تُمحى الهياكل، ويمكن أن تُرشم الإشارات واللافتات باللغة العبرية، ولكن الفلسطينيون سيصمدون لأجيال عديدة قادمة.

تقتبس المقالة المنشورة في هآرتس يعقوب عودة قائلاً: “لقد كنا ملوكاً، وفي غضون ساعة واحدة أصبحنا متسولين. هكذا انضممت للحركة الوطنية الفلسطينية. لقد حلمت بالعودة على مدار حياتي كلها”.
لقد كانت “الحركة الوطنية” الفلسطينية التي انضم لها عودة، ودفع لذلك ثمناً باهظاً في السجون والتعذيب على يد دولة إسرائيل هي حركة التحرير الفلسطينية (انظر: منظمة التحرير الفلسطينية PLO). في يوم 25 أيلول من عام 2004، كنت قد نشرت قصة على موقع الانتفاضة الإلكترونية تحت عنوان “قصص الأسرى: لؤي وأُبَيّ محمد عودة” وهي تتحدث عن أبناء أخوه المعتقلين، وقلت فيها:
لقد كان لؤي الذي يبلغ من العمر الآن 26 عاما يعرف كيف يبدو سجن الرملة من الداخل حتى قبل وقت طويل من أن يُرمى هو نفسه في غياهبه. فعندما كان طفلاً صغيراً كان زائراً منتظماً لهذا السجن، برفقة جدته وبعض أقربائه الآخرين الذين اعتادوا على زيارة عمه يعقوب عودة الذي عانى من التعذيب الشديد (تعذيباً لا تزال آثاره ظاهرةً على جسده) على مدار 17 عاماً من الاعتقال حتى تم الإفراج عنه ضمن صفقة تبادل أسرى في عام 1985 ، عندما تم إطلاق سراح 1150 أسيراً. حُكم عليه بالسجن المؤبد 3 مرات. والآن، هو ناشط حقوقي يهتم بشكل خاص بالبيوت الفلسطينية المهددة بالهدم في القدس.
لقد عانى يعقوب عودة وأبناء أخيه ولكنهم صمدوا. فقد خرج لؤي من السجن، وله الآن طفلان جميلان، إحدهما اسمها لفتا.
سنستمر في الصمود؛ ولسوف ننتصر.
______________
ريما نجار؛ امرأة فلسطينية، تعود أصول عائلتها من جهة والدها إلى قرية لفتا المهجّرة قسرا والواقعة على المشارف الغربية لمدينة القدس. في حين تعود أصول عائلتها من جهة والدتها إلى قرية اجزم جنوبي حيفا؛ وهي ناشطة وباحثة وأستاذة جامعية متقاعدة متخصصة في أدب اللغة الإنجليزية، حيث عملت في جامعة القدس في الضفة الغربية المحتلة.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *