Connect with us

أقلام وأراء

حاضر الحركة الوطنية الفلسطينية ومستقبلها وحاجة الفلسطينيين لعقيدة أمن قومي

بقلم: العميد أحمد عيسى*

يهيمن على الساحة الفكرية والسياسية الفلسطينية في هذه الأيام جدل واسع بشأن حاضر ومستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية التي كانت قد تأسست في أواسط ستينيات القرن الماضي لغايات تدمير الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين والفلسطينيين من الاستعمار، أو على الأقل هكذا كان الهدف المعلن في البدايات الأولى.
ويحتل موضوع الأمن أو موضوعة العقيدة الأمنية مساحة واسعة من هذا الجدل الذي لا نبالغ بالقول إنه قد وصل ذروته بعد وفاة الناشط السياسي نزار بنات أثناء محاولة اعتقاله من قبل قوة أمنية فلسطينية في شهر حزيران الماضي، في إشارة إلى عدم رضا غالبية الفلسطينيين عن حاضر الحركة الوطنية وواقعها، وقلقهم المشروع كذلك على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.
ويمكن ملاحظة أن هذا الجدل ينقسم إلى اتجاهين رئيسيين اثنين، فالأول يرى أن الحركة الوطنية الفلسطينية التي تقود المشهد الفلسطيني الآن قد وصلت إلى نهاية الطريق دون أن تنجح في تحقيق ما وعدت الشعب به، مثل: إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود العام 1967، وبناء نظام حكم رشيد، والتأسيس لاقتصاد مزدهر، وتوفير حياة كريمة للشعب الفلسطيني.
ويضيف أصحاب هذا الاتجاه أن الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني باتت تؤمن أن استراتيجية التسوية السياسية والمفاوضات التي تبنتها الحركة الوطنية منذ ثلاثة عقود لم تحقق، بل لا يمكنها أن تحقق أيّاً من هذه الوعود، وعلاوة على ذلك يجادل أصحاب هذا الاتجاه علناً بأن العقيدة الأمنية التي أنتجتها هذه الاستراتيجية باتت تخدم مصالح الاحتلال أكثر مما تخدم مصالح الفلسطينيين، الأمر الذي يعني من وجهة نظرهم أن الخروج على هذه الاستراتيجية وما أنتجته من عقائد بات أقل كلفة من مواصلة التقلب على أديم نيرانها.
ومقابل ذلك، يرى أصحاب الاتجاه الثاني أنه صحيح أن الدولة الفلسطينية الموعودة لم تقم بعد، لكن الفلسطينيين قد قطعوا شوطاً طويلاً وشاقاً نحو إقامتها، إنْ على صعيد تحقيق الشرعية الدولية المطلوبة لإقامتها، أو على صعيد تحقيق التوافق الداخلي عليها كهدف وغاية فلسطينية عليا.
وفضلاً عن ذلك، يجادل أصحاب هذا الرأي بأن التسوية السياسية هي الاستراتيجية الأنجع لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في المرحلة الحالية، وأن المفاوضات كساحة من ساحات المقاومة، وليس كنمط حياة، هي الساحة التي يمكن أن يُحسم فيها الصراع إذا قدر له أن يُحسم، والأهم أنهم يضيفون، وهم محقون في ذلك، أن مكاسب الفلسطينيين مقابل مخاسر الاحتلال نتيجة لهذه الاستراتيجية أكبر وأهم بكثير من مكاسب الاحتلال ومخاسر الفلسطينيين في ظل تطبيق استراتيجيات أخرى إذا جرى حساب مكاسبنا ومخاسر الاحتلال في ظل استراتيجيات مختلفة ووفق الشروط نفسها.
أما حول الأمن والعقيدة الأمنية، فيجادل أصحاب هذا الاتجاه بأن العقيدة الوطنية الفلسطينية التي كرستها الحركة الوطنية الفلسطينية في وثائقها الدستورية (الميثاق الوطني، البرنامج الأساسي للمنظمة، وثيقة إعلان الاستقلال) كانت ولا تزال هي المحرك الرئيس للمؤسسة الأمنية حديثة النشأة والتكوين، ولمنتسبيها كذلك (الذين كانوا جميعهم إما من مقاتلي الثورة الفلسطينية في الخارج، أو من قيادات ونشطاء الانتفاضة الأولى وأسرى الثورة الفلسطينية من الداخل)، وليست العقيدة الأمنية الجديدة التي يجادل البعض، وهم محقون في ذلك، بأن ملامحها قد رسمتها المواد والأحكام المتضمنة في اتفاقيات أوسلو وملاحقها.
ويبدو هنا أن البعض من أصحاب هذا الاتجاه قد راهن على إمكانية التعايش مع نصوص الاتفاقات الأمنية، لا سيما أنها اتفاقات مؤقتة ولا تصلح أن تُبنى عليها عقيدة أمنية فلسطينية الجوهر والهوية، وتركت أمر العقيدة (وحسناً فعلت) لدستور الدولة الموعودة (نُشرت منه ثلاث مسودات حتى الآن) التي كان من المفترض أن تقوم بعد نهاية المرحلة الانتقالية التي حددتها الاتفاقات العام 1999.
وتأسيساًعلى ذلك، ساهم عدم نهاية المرحلة الانتقالية وعدم قيام الدولة الفلسطينية المستقلة الموعودة، ثم انقلاب إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على أهداف عملية التسوية في وضع الحركة الوطنية الفلسطينية في المأزق الذي تعيشه الآن، وشكل كذلك الدافع المحرك للجدل الفكري والسياسي الذي تشهده الساحة الفلسطينية عامة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه على الرغم من وجاهة ومشروعية هذا الجدل بشقيه، فإنه يبتعد عن الصواب والموضوعية عند تناوله العقيدة الأمنية لاستنفاده كثيراً من الجهد والوقت في غير مكانه، وذلك ببساطة لعدم تبلور عقيدة أمن قومي فلسطيني حتى تاريخه، الأمر الذي يجعل من المشروع القلق على عدم مساهمة هذا الجدل في التأسيس لمستقبل حركة وطنية فلسطينية قادرة على تلبية آمال الشعب الفلسطيني.
في الواقع تأخذ هذه المقالة على الحركة الوطنية الفلسطينية عدم تطوير عقيدة للأمن القومي الفلسطيني وفق المعنى المتعارف عليه لعقيدة الأمن القومي أكاديمياً وإجرائياً طوال العقود الخمسة الماضية، وبالتالي فقدانها الأداة اللازمة لتأطير وترتيب الأولويات والاستراتيجيات الفلسطينية، ويمكن الاستدلال على ذلك بسهولة من خلال عدم ثبات الحركة الوطنية منذ تأسيسها على هدف استراتيجي واحد، بما في ذلك عدم الثبات على استراتيجيات تحقيق هذا الهدف، إذ تحولت أهداف الحركة الوطنية من: تدمير إسرائيل تارة، إلى دولة ديمقراطية واحدة تارة أُخرى، ثم إلى سلطة وطنية مقاتلة على أي جزء يتم تحريره، وبعد ذلك إلى دولة فلسطينية مستقلة على حدود العام 1967، ثم إلى حل الدولتين مع تبادل أراضٍ.
اللافت في هذا الشأن أن مراجعة تاريخ الحركة الصهيونية التي يفترض أن يكون الاتجاه المعاكس لها بمثابة البوصلة الموجهة للحركة الوطنية الفلسطينية يظهر العكس تماماً، إذ إنها بدل التبدل والتحول من هدف إلى آخر ثبتت على الأهداف الأساسية التي طورها المؤسسون الأوائل للحركة على اختلاف مشاربهم وقناعاتهم الأيدلوجية والسياسية، والأهم أنها طورت بعد الإعلان عن قيام إسرائيل العام 1948 من خلال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول بن غوريون ركائز واضحة لعقيدة أمن قومي لا تزال ثابتة وفاعلة ومؤثرة وملزمة لكل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حتى يومنا هذا، على رغم أنه استمد الأفكار المؤسسة لهذه الركائز من فكر الزعيم المعارض له جابوتنسكي.
صحيح أن الدولة الفلسطينية الموعودة لم تقم بعد، وصحيح أن الحركة الوطنية الفلسطينية قد نجحت في جعل العقيدة الوطنية هي المحرك للسلطة الفلسطينية بكل أجهزتها التنفيذية، لا سيما الأمنية منها، إلا أن طول الفترة الانتقالية وتبدل الأجيال ينطويان على احتمالات حلول النصوص المتضمنة في الاتفاقات الموقعة محل العقيدة الوطنية، الأمر الذي يفرض على الفلسطينيين الإسراع في تطوير عقيدة واضحة للأمن القومي قادرة على تأطير الأولويات والاستراتيجيات الفلسطينية، سواء في مرحلة ما قبل الدولة أو مرحلة ما بعد الدولة، وسواء أجَرى التوافق على هذه العقيدة علناً أم ضمناً.

* المدير العام السابق لمعهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *