Connect with us

أقلام وأراء

أيّة إنسانية تحظر مشاركة أم بجنازة طفلتها؟!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

في مبادرة في غاية الإنسانية المزعومة التي تتغنى بها السلطة الإسرائيلية صباح مساء ضمن الاسطوانة المشروخة التي عزفتها على مدار وجودها، تجلت عبر رفض السلطات الإسرائيلية بعقل وقلب باردين لا إنسانيين، حاقدين كارهين، لا تعرف الرحمة ولا الشفقة، السماح للمناضلة الأسيرة في سجون الاحتلال خالدة جرار المشاركة في جنازة ابنتها وتقديم الوداع الأخير وإلقاء النظرة الأخيرة على طفلتها وعلى جثمان طري سابق الزمن في رحلة الحياة.
حتى المحادثة الهاتفية لابنتها وزوجها تم رفض السماح لها تأكيدا لوحشية وحقد دفينين على المقاومة وأهلها. مناضلة لم يبق على الخروج من أسرها سوى شهرين كان يمكن اختصارهما تحت أي مسمى، يحظر عليها وداع غاليتها باسم الأمن الإسرائيلي المخروق، بينما عتاولة المجرمين الإسرائيليين من مغتصبين ومروجي مخدرات ورقيق أبيض ومبيضي أموال وبائعي أسلحة ووزراء ونواب ورؤساء منحرفين، يسمح لهم الخروج من سجنهم ومعتقلاتهم، في جميع مناسباتهم الإجتماعية من فرح وترح.
أية إنسانية مزعومة تحظر دفن جثمان قريب أو حبيب وتودعه في خطوة انتقامية ثلاجات الصقيع مهما كان فعله وعمله ؟ اية إنسانية مزعومة تسمح بطرد عائلة من منزلها وتقوم بهدمه وتشتتها وتيتم أطفالها وتزيل ما بقي من إنسانيتها؟ أية إنسانية تفصل وتبعد الحبيب عن حبيبته والإبن عن أمه وأبيه والطفل عن عائلته بينما في دول أخرى يستقدمون أمثال هؤلاء ويمنحونهم جنسياتهم؟ أية إنسانية مزعومة تسمح لضابط المخابرات أن يكون قاضيا ويصدر أمر الإعتقال الإداري لظنون راودته؟ أية إنسانية مزعومة تسمح بالإستيلاء على الآباء والأجداد لمجرد أصلهم الفلسطيني العاثر؟ أية إنسانية إسرائيلية مزعومة تبطش بالفلسطيني في غدوه ورواحه، في عمله وفي سفره، في بيته وفي مكتبه، في عبور حاجز أو في مظاهرة سلمية؟ اية إنسانية مزعومة تسمح بانتهاك الحريات الدينية للمسلمين والمسيحيين في أماكنهم المقدسة.
هذا هو التمييز العنصري بأجلى صوره الذي حورب في جنوب أفريقيا وفي الولايات المتحدة، حيث تحررت الأخيرتان من قبحه، وما زال معشعشا في القانون الإسرائيلي وفي الممارسة الإسرائيلية. وكأنه لا يكفينا احتلال إسرائيلي طويل الأجل يستلب الثروة الفلسطينية بل واغتنى منها، بل غدونا أمام نظام فصل عنصري يقيم ويسن قوانين تفرقة عنصرية ، تجعل الفلسطيني يستشيط غضبا وحنقا على هذه الجريمة الدولية.
ومنعا لهذه الجريمة الدولية قام المشرع الدولي بسن عدة مواثيق دولية تحظر التمييز العنصري وتمنع التمييز ضد المرأة كذلك. فميثاق التمييز العنصري يحظر هذا السلوك القائم على اللون أو الجنس أو العرق أو العقيدة أو الفكر السياسي وغير السياسي أو اللغة أو الأصل الإجتماعي أو الثروة أو الأصل الوطني أو المولد أو الوضع القانوني أو اي اعتبار آخر. وقررت هذه المواثيق الدولية التي تعلو القوانين الداخلية مرتبة أن الأفراد متساوون ولا يجوز التمييز بينهم لأي سبب مما ذكر آنفا. وأصبحت المساواة وعدم التمييز وجهان لعملة واحدة. فليس هناك مساواة مع وجود تمييز. ,ان أي خرق لعدم التمييز هو خرق لمبدأ المساواة القانوني والدستوري والدولي والإنساني والطبيعي والشرعي بل حتى التوراتي كما يزعم فقهاؤهم.
يتباكى الإسرائيلي والصهيوني واليهودي، بسبب ما حصل له في النصف الثاني من الحرب العالمية الثانية من ويلات وتعذيب وإبادة وسجن واعتقال وسخرية. ورسم على نفسه هالة من الحزن والتعاطف والمشاركة في أتراح الغير نتيجة لفعل النازيين وجرائمهم. ولكن هذا الإسرائيلي الصهيوني ينسى وبسرعة شديدة ما حصل له، ويعيد السلوك القميء ذاته الذي تعرض له على أيدي النازيين، من قتل وتعذيب وضرب وإهانة واعتقال وترقيم على الفلسطينيين سواء أكان ذلك قبل عام 1948 أو بعدها. وسواء أكان الفعل منضبا على فلسطينيي عرب 48 أو على فلسطينيي الضفة والقطاع بعد عام 1967. وكانت حجتهم دائما وأبدا أمنية وليس هناك من رواية سوى روايتهم الأمنية. والأنكى والأمر أن افعالهم تمر بدون حساب أو عقاب لذا يستمرؤونها ويكررونها بل ويعجبون بها.
من أين للإسرائيلي الصهيوني سواء أكان سياسيا أو جنديا أو شرطيا أو موظفا أو مدنيا أو طفلا كل هذا الحقد والغطرسة ، ومن أين استقاها، وتبناها وقبلها سلوكا لا يحيد عنه في تعامله مع الفلسطينيين. لم كل هذا الغرور ولا يفكر الإسرائيلي الصهيوني في غده. هل ضمن مستقبله السياسي فاستكبر وتجبّر. ألا يجدر به أن يحوز قدرا قليلا من الحكمة ليوم الشدّة، يوم يزول فيه صولجانه وسيفه. الا يجدر بعلمائه أن يحذروا ويرفعوا راية الحيطة بان هذه القسوة والعنف واللاإنسانية سترتد على مجتمعهم. لم فقدوا بوصلتهم وتجاهلوا المواقف الإنسانية وردة الفعل الإنسانية، أما من رجل عاقل لديهم؟!
كنت وما زلت أتوقع أن تقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولية بالاعتراض على هذا السلوك الإسرائيلي الخارق لكل المبادىء الإنسانية. كنت أتوقع وما زلت أن تبادر تلك اللجنة لإصدار بيان تدين به العنجهية الإسرائيلية الذي يفتقد لأبسط مفاهيم الإنسانية. وفي ظل السكون القاتل لهذه اللجنة نبادر للسؤال: متى ستتحركين ايتها اللجنة الموقرة. أوليس من صميم أعمالك وفق مواثيق جنيف الأربع ولاهاي الستة عشر حماية القيم الإنسانية, فلماذا التخلي عنها؟! وكيف لهنري دونان مؤسس لجنة الصليب الأحمر الدولي أن يرتاح في قبره بعد فظائع معركة سولفرينو في ظل ما يحدث اليوم من لا مبالاة واستهتار بالقيم الإنسانية؟!
كان من الواجب ان يلعب الصليب الأحمر الدولي دور الدولة الحامية للفلسطينيين تحت الإحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد حرب 1967 مباشرة، إلا أنه استنكف عن لعب هذا الدور الهام الإنساني الحيوي القانوني. وها نحن نطالبه بقراءة اتفاقية جنيف الرابعة بفهم ودقة ليفهم الواجب الملقى على عاتقه، رغم مرور خمسة عقود ونيف على الإحتلال الإسرائيلي . اللجنة الدولية للصليب الأحمر الدولية الوجلة المترددة الصامتة مطالبة بالتحرك في قضايا الفلسطينيين الإنسانية فالشجرة تعرف من ثمرها والدرزة في حينها توفر تسعا!!!

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *