Connect with us

أقلام وأراء

الحاج سامي الصادق … حكاية وطن في انسان

بقلم: د. ســـائـد الكـونـي

عرفته لا يعرف الكلل ولا الملل، صاحب قضية وإنتماء، لم يترك باباً ذا صلة لتعزيز صمود أهالي قريته على أراضيهم المهددة بالاستيطان إلا وطرقه مُوشحاً كتفيه بالكوفية الفلسطينية، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من مظهره اليومي، متخذاً منها رمزاً يسبقه في الحديث عن قضايا وهموم واحتياجات أهالي قريته. يقابلك بابتسامته الهادئة ولكن بعيون ثاقبة واثقة، لا يمكنك تجاهل وجوده في أي جمع يحضره.

قابلته للمرة الأولى في السادس عشر من تموز لعام 2013، بقاعة بلدية طوباس، أثناء أول جولة عمل ميدانية لي، لمحافظة طوباس والأغوار، بمنتصف الشهر الثاني من توليّ منصب وزير الحكم المحلي، بغرض الوقوف المباشر على احتياجات ومتطلبات الهيئات المحلية فيها، والتي كنت قد أُطلعت عليها، ضمن الأُخريات، من واقع سجلات الوزارة لدى تبوئي منصب الخدمة العامة في 6/6/2013. كان يجلس قبالتي، في اطار دائرة طلبت تنظيمها للإستماع لرؤساء الهيئات المحلية في المحافظة، وأتمكن من مشاهدتهم جميعاً، وإعطاء كل منهم نفس القدر من الانصات والأهمية، وعاملاً على ازالة أي عائقٍ أو فارقٍ قد يكون للحديث بين سائلٍ ومسؤول. لم يكن أول المتحدثين، ولكنه أول من لفت انتباهي بكرسيه المتحرك، وكوفية أبي عمار التي زين بها كتفيه، كنت أستمع للمتحدثين بانصات، وعيناي بين الفينة الأخرى، تختلس النظرات السريعة إلى ذلك الشخص الهادئ المبتسم المنصت، منتظراً فرصته في الحديث. هموم وقضايا الهيئات المحلية كانت أكثر مما سمح به وقت الزيارة، ليعلن منظموا اللقاء عن انتهائه وضرورة التحرك إلى الجولة الميدانية، دون أن يُتاح لصاحب الكوفية أن يتحدث، فتوجهت من فوري إليه في كرسية، وكأنه كان واثقاً من مجيئي إليه، سلمت عليه، مستأذناً بالتعرف على شخصه الكريم ومطلبه، ليجيبني بأدبٍ وعُجالة، مدركاً ضيق الوقت، بأنه الحاج سامي الصادق، رئيس مجلس قروي قرية العقبة، وهي قرية صغيرة، تقع على منحدر يفصل غور الأردن عن سلسلة جبال الضفة الغربية الشمالية في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، تبعد نحو 15 كيلو مترا من الحدود الأردنية، محاصرة بنقاط عسكرية تابعة لجيش الاحتلال، وتتعرض يومياً للمضايقاته بغرض انهاء وجودها، وترحيل ما تبقى من أصحابها الشرعيين عنها.

صورته، مبتسماً في كرسيه، لم تغب عن مخيلتي أثناء كامل الجولة، وما أن وصلت المكتب، طلبت من الوكيل المساعد لشؤون الهيئات المحلية أن يزودني بكامل التفاصيل عن الحاج سامي الصادق وقرية العقبة، بالاضافة لما حصلت عليه بنفسي من معارفي في المنطقة، لأبني بالمحصلة انطباعي الشخصي عن الحاج سامي، الفلسطيني القائد الذي “لم يُكبر حجره” كما يقول مثلنا الشعبي الفلسطيني، ولم يسعَ إلى المجد أو الشهرة والأضواء، أو التكسب بإسم معاناته الشخصية أو القضية، بدايته كبدايات كل شبابنا الفلسطيني، شاب مفعم بالحيوية والحياة، يحذوه الكثير من الأمل بتكوين أسرته الصغيرة ويحلم ببناء مستقبل زاهر مزدهر وآمن له ولها، برغم تاريخ شعبنا المليء بالمآسي والالام والتضحيات الجسام من شهداء وجرحى وأسرى.

ثلاث رصاصات احتلالية، تلاقها في سن السادسة عشرة، كن كفيلات بإنهاء أحلامه الخاصة بالأبوة وبناء أسرته الخاصة، تسببت في شلل نصفي أجلسه كرسياً متحركاً لازمه بقية عمره. أدرك مبكراً بأن الشكوى والملاحقة القضائية للاحتلال عن جريمته الانسانية البشعة بحقه لن تجدي نفعاً، فاختار طريقة مواجهة أشد إيلاماً للاحتلال، وأكثر نفعاً له ولأبناء قريته التي هُجر أكثر من ثلثي ساكنيها إبان حرب حزيران ألــ 67، فقد شكلت له إعاقته الجسدية حافزاً أكبر للعمل الميداني في مواجهة مخططات الاحتلال بترحيل ما تبقى من سكان قريته.

إلتقى في قريته الكثير من الوفود الأجنبية المتعاطفة مع معاناة الشعب الفلسطيني ومؤمنة بأحقيته بالعيش الكريم الآمن على أرضه، ونفذ جولات عديدة في عدة دول أوروبية وفي الولايات المتحدة الأميركية، بغرض إبراز السردية الفلسطينية لتلك المجتمعات، فالتقى أعضاء كونغرس وسياسيين وقناصل وممثلي سفارات دول، وطلبة جامعات ومفكرين وناشطين ومدافعين عن حقوق الانسان، تمكن من خلال تلك الأنشطة نقل الصورة الحقيقية للمعاناة اليومية لأهل قريته بفعل اعتداءات جنود الاحتلال المتواصلة وقيامهم بتدريبات عسكرية بالذخيرة الحية، تطلق فيها النيران بكثافة في محيط مساكن القرية وعلى مشارفها، بشكل يثير الرعب في نفوس أهالي القرية وأطفالها، في واقعٍ تعتبر فيه قوات الاحتلال منطقة القرية برمتها بمثابة موقع تدريب عسكري دائم، لا اعتبار فيه للمدنيين القاطنين فيها والبالغ تعدادهم قرابة ألــ 700 مواطن.

جيّر “الصادق” ما حققه من تعاطف دولي للضغط السياسي والقانوني على سلطات الاحتلال لدفعها إلى إخلاء نقاطها العسكرية في محيط القرية، ونجح رغم إعاقات الاحتلال وتهديداته، بتوفير بنى أساسية للمتبقين من أهالي قريته، تمكنهم من الصمود في وجه الصلف والعدوان الاحتلالي، فبنى مسجداً، ومستوصفاً طبياً، وروضة أطفال أطلق عليها اسم “أطفال الحق”، إلى جانب بناء مدرسة أساسية نموذجية، خصص “الصادق” لغرفها الصفية نصف منزله، معتبراً بأن الله قد عوضه عن خلفه الذي من صلبه بأطفال قريته الذين لم يبخل عليهم بالغالي والنفيس من حر ماله وممتلكاته. وبدأ المهجرون من أهل القرية بالعودة التدريجية إليها، بعدما وفرت لهم سبل الصمود والتحدي، ونجح الجَمع بتغير معالم القرية المتهاوية، وشيّدوا البنايات، رغم أوامر الهدم والتحذيرات والتهديدات الإسرائيلية بإزالتها، وأقيم مبنى للمجلس القروي، وآخر للجمعية النسوية، ونادٍ للشباب، ومبنى سكن للمتضامنين الأجانب، وجرى تزويد القرية بخدمات الكهرباء والهاتف، وشيئاً فشيئاً عادت ملامح الحياة إلى القرية، ونشط أهلها في تربية الماشية وفلاحة الأرض، وأنشئ فيها بمنحة يابانية مصنع للأعشاب يعتبر الوحيد من نوعه في الضفة الغربية. وفي عام 2003 إنتصر الصادق لنفسه ولأهالي قريته باستصدر قرار من المحكمة الإسرائيلية العليا لإزالة آخر معسكر إحتلالي في محيط القرية، وتحديداً ذلك الجاثم على مدخلها، مهدداً الأراوح والممتلكات.

نجاحات وانتصارات على الجلاد شكلت مصدر إزعاج دائم له، بالضبط كما أراد لذلك “الصادق” أن يكون، ولتستمر نتيجتها يد الاحتلال الحاقدة من خلال قواته وآلياته العسكرية، حرة التصرف في تدمير البنى التحتية والممتلكات العامة والخاصة في القرية، وتضييق الخناق المستمر على الأهالي، وتهديد أمن واستقرار المنطقة برمتها بمواصلة التدريبات العسكرية الاستفزازية.

في يوم الجمعة، الموافق التاسع من تموز للعام الجاري 2021، وقبل الظهيرة بقليل، وعلى أبواب العشر الأوائل من ذي الحجة، خير أيام السنة، ترجل الحاج سامي الصادق عن صهوة جواده في مقارعة الاحتلال ودعم صمود أبناء قريته فوق أرضهم، وسمت روحه الطاهرة إلى بارئها، لتفقد قريته العقبة وطوباس والأغوار رجلاً صنع من المستحيل ممكناً؛ أيقونة فلسطينية فريدة لرجل دافع عن وطنه بجسده وحُلمه الشخصي، ودعم صمود أهله بماله وجهده ووقته، وشكل بكوفيته رمزا من رموز المقاومه وتحدي الاحتلال ومخططاته، واتخذ من كرسيه المتحرك منصةً دولية لشرح قضية شعبه.

لا أقول في الحاج سامي الصادق الشعار الذي كثر قوله، وقل مضمونه، “قائدٌ بحجم وطن”، وإنما أقول فيه “حكاية وطن في إنسان”، بانتظار من يحمل الراية الصمود والتحدي بعده ويُكمل المشوار.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *