Connect with us

أقلام وأراء

الاحتجاجات الشعبية ورد الفعل غير المبرر

بقلم:زياد أبو زياد

الوضع الطبيعي في أي دولة هو أن يكون هناك نظام سياسي سواء ملكي أو جمهوري وحكومة ومجلس تشريعي أي برلمان. وهذا لا يعني بالضرورة أن يكون كل شيء على ما يرام فالكثير من الدول لديها هذه الأطر، ولكنها تعاني من الفساد وغياب الديمقراطية والحكم الرشيد. وفي هذه الحالة تثور الشعوب وتطالب بالتغيير واستبدال الحكم بحكم آخر تطمح أن يكون حكما منبثقا ً عن إرادتها فتنجح في بعض الأحيان ويُسرق منها الحلم من قبل حفنة من الانتهازيين في كثير من الأحيان.
وإذا أردنا إسقاط ما سبق على الحالة الفلسطينية فإننا نجد بأننا لسنا دولة ولا نملك السيطرة على أرضنا أو حدودنا وأننا قمنا إضافة لذلك بتدمير وتصفية الأطر البنيوية التي كان يُمكن أن تُقربنا من الدولة كما فعلنا في إلغاء المجلس التشريعي وزعزعة أسس مبدأ الفصل بين السلطات وبالتالي فإن التغيير واستبدال الحكم في الحالة الفلسطينية له طبيعة خاصة.
لقد شهدت الأسابيع الأخيرة منذ جريمة قتل الناشط الاجتماعي الإصلاحي المرحوم نزار بنات احتجاجات واسعة في الشارع تجاوزت حدود استنكار قتله والمطالبة بمحاسبة القتلة وإحضارهم أمام القضاء وتنفيذ أحكامه، وتحولت الى مطالبة بإسقاط النظام. وبدأ البعض يردد بعض الهتافات التقليدية التي سمعناها في بداية الاحتجاجات في بعض الدول العربية التي عانت مخاض ما اصطلح عليه بالربيع العربي فأنجبت دمارا ً وتشريدا ً عربيا مثل مقولة ” الشعب يريد إسقاط النظام ” ومقولة ” إرحل “.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل نحن دولة تملك السيطرة على أرضها وحدودها ولا يستطيع أحد أن يتدخل فيما يجري داخل تلك الحدود أم لا. والجواب معروف للجميع. فنحن لا نملك ترف المناداة بإسقاط النظام وإنما بالقيام بخطوات عمليه من داخل النظام لإصلاحه من خلال إحداث تغيير جذري داخله وإعادة بناء مؤسساته على أسس سليمة. وعليه فإن على القوى التي خرجت للشوارع لتحتج ضد مقتل نزار بنات سواء منها من كانت تعنيها فعلا قضية الديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان والحكم الرشيد ومحاربة الفساد أو تلك التي خرجت استغلالا ً للحدث لمناكفة الحكم وهي ليست بأفضل منه وأقصد حركة حماس ، أن تفهم بأن إطار العمل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الظروف الواقعية التي تحيط بنا وإدراك حقيقة أن طريق الخلاص يجب أن تكون من خلال تكاتف وتآلف كافة المكونات الوطنية من حركات سياسية واجتماعية ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات وطنية تتفق جميعها وتلتف حول المطالبة بوقف مهزلة الاستحواذ على مصير الشعب الفلسطيني وقضيته وبرنامجه الوطني وتسخيرها لخدمة أجندة خاصة لحفنة من المنتفعين ، ووقف هذه المهزلة من خلال إعادة التفويض للشعب ليقوم وبشكل ديمقراطي شفاف باختيار القيادة التي تمثل تطلعاته وهمومه وتحقق له الحرية والاستقلال من خلال برنامج كفاحي طويل النفس، ولكنه ثابت الخطى نحو الهدف.
أما بالنسبة لكيفية تعامل السلطة مع الاحتجاجات الشعبية فإن من المؤسف جدا ألا تتعظ من تجارب دول الجوار التي استقبلت الاحتجاجات الشعبية بالعنف الدموي فبعضها نجح في قمع الشعب وترسيخ دعائم حكم فردي مستبد، ولكنه يجلس على فوهة بركان من الغضب الشعبي قد يثور في أية لحظة كما في بعض دول الجوار وبعضها خسر الجولة في نهاية المطاف واضطر الى الفرار واللجوء وترك الشعب لمصيره.
لقد فوجئنا بالأسلوب الذي تعاملت به سلطتنا مع الاحتجاجات الشعبية التي كان واضحا أنها مبنية على افتراض خاطئ وهو أن وراء هذه الاحتجاجات أجندة سياسية تريد الانقلاب على الحكم. فالحقيقة هي أن هناك أمران لا يستطيع أحد أن يتجاهلهما:
الأول أننا تحت الاحتلال وأن الاحتلال ما زال يسيطر على حدودنا ومقدراتنا وأن هذا الاحتلال لا يسمح لحماس مثلا أن تسيطر على الضفة كما فعلت في غزة وبالتالي فأن تصدير الخوف وتبرير القمع ضد الشعب بأنه لمنع استيلاء حماس على الحكم في الضفة هو تبرير باطل لا أساس له.
والحقيقة الثانية هي أن فتح ما زال لها رصيدها الجماهيري ولا يجوز لها أن تخشى الانتخابات وبالتالي تصطف الى جانب أعداء الإصلاح والتغيير، بل على فتح أن تكون هي الرائدة التي تقود مسيرة الإصلاح والتغيير.
وأخيرا ً فإن من الملاحظ أن بعض من يسيئون الى فتح ورصيدها الشعبي هم من المقربين من الحكم، ولكنهم ليسوا من دم ولحم فتح. فالذي يهدد بالنزول الى الشارع ويروج لمقولة شارع مقابل شارع ليس فتحاويا ً ولكن دعواه التي هي دعوة للاقتتال الشعبي تنعكس على فتح وتحملها أوزارها وتضع فتح في خانة الفئوية المقيتة المعادية للشعب، بل والبلطجة السياسية.
والأكثر استغرابا ً ودهشة هو أن يدعو شخص آخر رفيع المستوى الوظيفي الى قتل المتظاهرين فهو يحرض على القتل علنا ً ومن أعلى منبر للحكم ولا يكون هناك من يلجأ للقضاء يطلب محاكمته بتهمة التحريض على القتل وهي جريمة بنصوص القانون.
نحن أمام منعطف خطير لم نجتازه بعد، وعلى فتح ألا تخاف الديمقراطية وأن تجدد الدماء في عروقها وأن لا تتردد في التوجه الى صناديق الاقتراع وتساهم في التأسيس لحكم سليم رشيد، وأن تنبذ من صفوفها كل الطحالب التي علقت بأهداب ثيابها وصارت عبئا ً عليها لا تزيدها إلا خبالا.
abuzayyadz@gmail.com

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *