Connect with us

أقلام وأراء

بولندا ونسخة محسنة من قانون أملاك الغائبين!

بقلم:المحامي إبراهيم شعبان

قبل أقل من أسبوعين، تقدم إلى المجلس التشريعي البولندي مشروع قانون يعالج الأملاك اليهودية في بولندا، والتي سيطر عليها أو استملكها أو حازها ألمانيا النازية أثناء الحرب العالمية الثانية، أو الإدارة الشيوعية بعدها ولغاية عام 1989 حين سقط النظام الشيوعي وقتها. وقد اثار تقديم مشروع القانون ضجة في إسرائيل والعلاقات الثنائية بين كل من إسرائيل وبولندا، وانضم للكورال الصهيوني بعض أعضاء من الكونجرس الأمريكي. ووصف مشروع القانون الذي لم يدخل حيز التنفيذ من العديد بعد، بأنه وصمة عار في جبين القوانين ولاأخلاقي ومثير للمشاعر، ونسي الجميع قانون أملاك الغائبين الإسرائيلي القميء وآثاره السلبية الضارة على الفلسطينيين، والذي بالكاد يقارن معه. وكأن ما هو حلال زلال للغير حرام زؤام على الشعب الفلسطيني
كان اليهود البولنديين يشكلون أكبر طائفة يهودية في أوروبا، وكانت طائفة ثرية تملك المنازل والمحلات والمصانع ودور العبادة. إلا انه باشتعال الحرب العالمية الثانية عبر ميناء دانزينغ دخلت جحافل القوات الألمانية النازية وسيطرت على بولندا تقدمة للإستيلاء على شرق أوروبا كاملا. وحينما بدأت حملة المطاردة تجاه اليهود في ألمانيا لوحق اليهود البولنديون بأملاكهم وثرواتهم. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية استمرت سيطرة الإدارة الشيوعية، على الأملاك اليهودية في بولندا إلى أن توقفت في عام 1989 بعد سقوط الشيوعية كنظام.
أكثر من عشرين قانونا إسرائيليا سنّت، تميز فيها بين الفلسطيني العربي وبين اليهودي الإسرائيلي ، وكان أبرزها وأسوأها ما يسمى بقانون أملاك الغائبين، الذي مهد للقيم العام للإستيلاء على أكثر من ثلاثة ملايين دونم للفلسطينيين، بعضها من أخصب الأراضي الزراعية، وخمس وسبعين ألف بناية يملكها الفلسطينيون، منها أكثر من عشرة آلاف محل تجاري. لكن الحكومة الإسرائيلية تجادل وتعترض على الحكومة البولندية وحقها في سن قانون يضع حدا زمنيا لمقاضاة الحكومة البولندية من قبل اليهود البولنديين ولا تحرك ساكنا تجاه قانون أملاك الغائبين بل تمد نطاق تطبيقه إلى الضفة الغربية وتحظر على الفلسطيني من استرداد أملاكه وأمواله بل تستولي عليها.
بكلام آخر الحكومة البولندية لم تحظر إقامة الدعاوى اليهودية على الجهات الرسمية وغير الرسمية، بل رغبت بتقييدها بقيد زمني حتى تضبط عملية التلاعب بسبب مرور الزمن. فحق المقاضة من اليهودي البولندي أو ورثته متاح أمام المحاكم البولندية تعويضا واستردادا واستبدالا واستئجارا ورهنا. اما الفلسطيني الذي نزح تحت وطأة القوة المسلحة إلى شرق الأردن أو مصر أو سوريا أو العراق أو اليمن أو السعودية أو حتى من قريته إلى قرية أخرى، فأملاكه المنقولة وغير المنقولة غدت تحت سيطرة القيم العام الذي له حق التصرف فيها بيعا وتأجيرا واستفلالا.
المضحك المبكي أن الدولة المعتدية الإسرائيلية والتي لا تمثل اليهود البولنديين يوما لأنها لم تكن موجودة وقتذاك، تثير نزاعا غير شرعي مع الحكومة البولندية حول أموال يهودية منقولة وغير منقولة تعرضت لنوع ما من الضرر قبل ثمانية عقود واكثر، لا دخل للحكومة البولندية أي يد في هذا الضرر، وهي أيضا غير مسؤولة عن الإدارة النازية الألمانية عن أفعالها على الأرض البولندية. لو احتج اليهود البولنديين ضد مشروع هذا القانون لكان هذا الأمر صائبا وصحيحا، لكن أن يأتي الإحتجاج من دولة معندية فهذا أمر غير مقبول. وكما يقولون الشيطان يعظ، وكان مقبولا أكثر أن تعيد الدولة المعتدية الإسرائيلية النظر في هذا القانون وتلغيه وتحظر تطبيقه إن كانت حريصة على حقوق البشر.
ورغم وجاهة قيد التطبيقق الزماني، ورغم فتح الباب واسعا بعد سقوط الشيوعية للمقاضاة الحكومية وغير الرسمية، وطلب التعويضات من الجهات البلدية والحكومية إلا ان الحكومة الإسرائيلية والأمريكية تدخلتا وحدث نزاع دبلوماسي بين البلدين، وتوترت العلاقات بين البلدين، مما أسفر عن اهتزاز في العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين، ما زال أثره ماثلا ليومنا.
كل ما فعلته بولندا أنها أرادت استجابة لحكم المحكمة الدستورية عندها، أن تضع قيدا زمنيا لطلب المقاضاة يتراوح بين عشرة سنين وثلاثين سنة، وأن لا يبقى موضوع المقاضاة مطلقا ومفتوحا من غير قيد وبدون مقيدات، بل رفض رئيس الحكومة البولندبة الإلتزام بأي تعويض عن أفعال السلطة النازية أو الشيوعية حتى لو ” بزلت واحد أو يورو واحد أو دولار واحد “. ورأى في التحرك الإسرائيلي سلوكا ابتزازيا ولن يرضخ له. لكن ما هو حاصل في قانون املاك الغائبين الذي طال، فبعد أكثر من سبعة عقود زمنية ما زالت الدولة المعتدية تطبق قانونا قراقوشيا ظالما رغم تغير الظروف والأوضاع. فمصر والأردن عقدتا معاهدة صلح معها، والسعودية تسمح للطائرات الإسرائيلية بالعبور في عبابها. وما زالت تعتبر دولا عدوة بموجب قانون أملاك الغائبين العنصري القائم على التمييز العنصري.
ويبدو ان الحكومة الإسرائيلية تود ملاحقة الحكومة البولندية طمعا في مزيد من التعويضات، كما لاحقت الحكومة الألمانية والسويسرية والفرنسية والبريطانية، لتعويضها عما جرى في الحرب العالمية الثانية من ممارسات نازية ألمانية وسكوت تلك الدول عنها بل تواطأت معها. وها هي ذات الدول الغربية المنافقة لم تستطع أن توقف قانونا إسرائيليا واحدا من القوانين الإسرائيلية القميئة التي تقيم تمييزا عنصريا فاضحا ضد الفلسطينيين مثل قانون أملاك الغائبين أو أنظمة الطوارىء لعلم 1945 أو قانون منع لم الشمل المتجدد دوريا.
لعل هذا التدخل الإسرائيلي والأمريكي غير الرسمي على الأرض البولندية في موضوع تقادم عمره ما يقارب القرن من الزمان، درس للعقلية العربية وللأنظمة العربية ومنها الفلسطينية على أهمية القانون ودوره في المجتمع وتسوية المنازعات حتى لوكان عن طريق التحكيم، وترك الحلول العشائرية والغيبية والفزعات والدعوات والخطابات.
من يتقدم للعدالة عليه أن يتقدم بأيادٍ نظيفة، فعلى الدولة المعتدية الإسرائيلية قبل أن تطالب الدول الأخرى بحقوق اليهود فيها قبل قرن من الزمان، أن تبادر وتفحص قوانينها وفق حقوق الإنسان وتيسر اصحاب الحقوق العرب لنيلها وإلا كانت مطالبتكم خاوية وبدون سند قانوني. فها هي تسقط في امتحان قانون لم الشمل وستسقط في غيره ما دامت متعسفة معتمدة للتمييز العنصري والتطهير العرقي.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *