Connect with us

أقلام وأراء

التحرير قديما وحديثا

بقلم: د. سري نسيبة

في سياق التحدث عن حالة منظمة التحرير وفتح بالذات استوقفني في مقال الأخ زياد أبو زياد الأخير (القدس، ٤\٧) تركيزه على مصطلح “التحرير” في إشارة الى ضرورة العودة الى الأصول من أجل استعادة ثقل وحيوية هاتين المنظمتين وخصوصا بعد اختصار مفهوم وثم فشل هذا التحرير منذ أوسلو حتى أصبح اليوم باهتا دون أفق حتى لدولة مستقلة تحددها المواثيق الدولية.


مع احترامي للكثير بل لأغلبية ما يكتبه الأخ والزميل زياد أبو زياد وجدت إشارته هذه بحاجة الى تعقيب، خاصة وأن لهذه علاقة بالمقصود (كما يشير) وهو استعادة الروح لحركة فتح والحركة الوطنية عموما. وأول ما تبادر لذهني هو “ميوعة” المفاهيم المرتبطة بالمصطلح، وهي الميوعة التي ولا شك ساعدت في تباعد المساحة عبر الزمن بين المعنى الأصلي للمصطلح والمفاهيم المتغيرة له والتي فرضتها (كما يقال) المتغيرات السياسية. فمثلا لا شك أن معنى التحرير في البدء كان تحرير فلسطين التاريخية من المنظومة الاستعمارية الصهيونية برمتها، بمؤسساتها ومستوطنيها الجدد وجندها، فهذا كان أساس رفض التقسيم وإقامة حكومة عموم فلسطين، لكن عقود من مقارعة هذه المنظومة فرضت تغيرا في هذه المفاهيم، وهو تغير تحرت فتح والمنظمة من خلاله التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني في غمار تغير المعادلات السياسية، محليا ودوليا، بدءا على سبيل المثال من خلال إطلاق مبادرة الدولة الواحدة التي تضم يهود فلسطين فيها بمساواة تامة مع عربها بعد أن يتم تحريرها، ومرورا بالحلول المرحلية التي أدت الى أوسلو، وثم الى المحاولات البائسة حتى الآن لتحويل الحكم الذاتي الى دولة. وفي الأثناء تم إطلاق مبادرات عن حلول فدرالية وكونفدرالية ودولة علمانية وثنائية القومية وغيرها، وتحرت جميعها أن تلائم بين المعادلات السياسية الممكنة والحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني التي أصبحت تتمثل في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة، وأصبحت هذه هي ثوابت منظمة التحرير، أو المفهوم العملي للتحرير، مع ما تحمله من إبهام في المفاهيم المنبثقة عن هذا المفهوم: فما هي العودة المقصودة عمليا؟ وما الدولة وأين؟ وأي دولة نطالب فيها بتقرير المصير؟ أو، هل الدولة شيء وتقرير المصير شيء أخر؟ وإن لم يكن كذلك، فلم التكرار في الثوابت؟ ثم، ماذا عن شعبنا في الداخل؟ هل تنطبق هذه الثوابت عليه؟ وهل تنطبق علينا وعليه وعلى الشتات معا؟ أم أن هنالك فوارق وتفاصيل وظروف تفرض رؤى واستراتيجيات وأولويات مختلفة؟ وأين تقع التجربة الحمساوية العسكرية في خضم هذه الأسئلة؟ وهل يمكن لقطاعات مختلفة من الشعب تقرير مصائرهم بأشكال مختلفة على الأرض الواحدة؟


لن أجيب عن هذه الأسئلة وغيرها، فهي بحاجة إلى مجهود جمعي وتوافق للإجابة عليها، لكنني أريد العودة إلى الدعوة الأساس التي نادى بها ألزميل زياد كطوق نجاة لاستعادة فتح والمنظمة لحيويتهما: فكيف يمكن جذب جماهير الحركة الوطنية لفتح والمنظمة ثانية إن لم تكن مفاهيمنا ورؤانا لمستقبلنا واضحة وواحدة؟ ألا يجب علينا أولا تحديد الأسس التي ندعو للانطلاق منها وبعث الحياة في جماهيرنا؟ إن تحديد الأسس هو بمثابة الخطوة الاولى لرسم خططنا ونضالنا، والتي بها يمكننا الإجابة على تلك الأسئلة وأن نبدأ بالعمل يدا واحدة.


وهنا أعود الى مصطلح “التحرير” وأستميح عذرا من القارئ الإشارة الى نقاش معمق جرى في إحدى المجموعات خلال العامين الأخيرين (ملتقى فلسطين) لتحديد الأسس التي تم التوافق عليها كنقطة انطلاق للنظر في ترسيم مستقبلنا، وهي وحدة القضية والأرض والشعب. فنحن (أينما كنا) شعب واحد، بقضية عمقها واحد، وتتعلق بأرض واحدة هي فلسطين. نستطيع من هذه الاسس وبالنظر إلى الواقع المتباين الذي نعيش ملاءمة ظروف قطاعات شعبنا في أماكن تواجده المختلفة لطبيعة النضال الذي يناسب أن يخوضه وصولا الى تمتين هذه الأسس ببعضها على المدى القصير والطويل. للتوضيح: قد لا نستطيع اليوم أن نحدد مآل هذه النضالات التي تسعى من نقاط انطلاق مختلفة تثبيت حقوقنا الوطنية…أي، ما هو الواقع السياسي الذي سوف يكفل لنا تحقيق حقوقنا الانسانية والوطنية…ومتى وكيف…لكننا سوف نستطيع الإجماع على هدف عام واحد هو حصول الشعب الفلسطيني على حقه الوطني على أرضه. وهذا الإجماع هو الذي سوف نستطيع به استنهاض الحركة الوطنية للشعب الفلسطيني أينما كان تواجده. بمعنى آخر، أستطيع الانتماء لفتح أكنت أعمل إعلاميا في البرازيل أو سياسيا في دولة عربية أو موظفا في السلطة أو عسكريا في غزة أو في قائمة انتخابية في إسرائيل…وذلك تبعا للظروف المتواجد بها، وصولا الى ذلك الهدف الأكبر وهو تحقيق حقوقنا الانسانية والوطنية. إن استرشادنا بهذا المنظور للاستراتيجية سوف يمكننا ثانية من استعادة فتح لعمقها وانتشارها في كافة أماكن وجود هذا الشعب ومن تمتين العلاقة بين أشكاله المختلفة، ثم وغني عن القول أن وحدة فتح هذه هي التي سوف تكون حجر أساس وحدة المنظمة والحركة الوطنية عموما.


قد يقول قائل، فما هو وجه الاختلاف إذن مع فكرة التحرير؟ أو فكرة “حل الدولتين”؟ والاختلاف هو أن الماثل أمامنا اليوم في ظل فشل التحرير كما هو معناه في الأصل وفشل الدولة كما أرادتها فتح أن تكون هو أنشطة وأفكار ونضالات تراها متشتتة بل وفي أحيان متناقضة مع بعضها (مثلا، التشريعي، الكنيست، المقاومة المسلحة، اللاجئين في مخيمات لبنان أو غيرها، السلطة وأمنها وسياستها، القدس، الخ.)، ما يعزز الخلافات الى درجة التناحر. إن الذي يميّز هذه النضالات والأنشطة عن بعضها أنها جميعا ولكن بأشكال مختلفة تسعى للتعامل مع ظروفها الخاصة في سياق مقاومتها وتحصين نفسها في مواجهة العدوان الصهيوني وآثاره، فهي إذن تتعامل مع الواقع حسب خصوصياتها. وهنا يكمن باعتقادي مفتاح السر لاستعادة قوة الحركة الوطنية واستنهاضها في بوتقة واحدة: المشكلة الآن حسبما أراها هي التعامل مع الواقع في الأماكن المختلفة (ولو بنجاح محدود) من موقع الخنوع له وتقبله كحقيقة ثابتة (كالاكتفاء مثلا بإنجاز محدود هنا أو هناك ومحصور في نطاقه الجغرافي-السياسي)، بينما الثورة هي حصرا التعامل معه (ولو أحيانا بنفس الأساليب) كجزء من كل وليس كأمر منفصل من أجل القضاء عليه واستبداله بالهدف الجامع لكافة أبناء هذا الشعب. هذه هي الحقيقة الأصلية لفتح الثورة: إدراك الواقع والتعامل معه ليس بهدف إبقائه أو الخنوع له بل بهدف الثورة عليه واستبداله، ولو بالتدرج وبأشكال مختلفة.


فالعودة الى الأصل إذن هي العودة الى المفهوم الثوري على أساس وحدة الشعب والأرض والقضية، وهذه العودة كرؤية ونهج هي التي سوف تضمن بعث الحركة الوطنية من جديد في أرجاء المعمورة، تجمع شمل النضالات المتبعثرة وتنسق ما بينها لتصبح حركة واحدة مهما تعددت أشكالها وتباينت جداولها الزمنية، وتعيدها الى حاضنتها الأم. هذه جميعا عناوين عامة بحاجة الى تفصيل على الحركة الوطنية تمحيصها واستخلاص النتائج العملية منها. في الأثناء يجب على فتح أن تخرج من قوقعتها في الضفة لتصبح حركة الشتات والجليل وأراضي ال ٦٧. ويجب ان ترفع الدعوة لتعزيز أشكال النضال المختلفة لكي تتوافق جميعا في بوصلة أساسها واحد، هو وحدة الأرض والشعب والقضية. هكذا يمكن لفتح أن تبدأ في استعادة عنفوانها.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *