Connect with us

أقلام وأراء

العراق بعد قمة بغداد الثلاثية

بقلم: الدكتور محمد السعيد إدريس

أعطت القمة الثلاثية (المصرية – الأردنية – العراقية) التي عقدت في بغداد الأحد (2021/6/27)، والبيان الختامي الصادر عنها، وما تضمنه من بنود مهمة عن التعاون والتكامل الثنائي والثلاثي، والحفاوة الكبيرة التي استقبل بها العراق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، انطباعاً مهماً بأن العراق دخل فعلاً مرحلة الانعتاق من ارتهانه لمجريات الصراع الأمريكي- الإيراني، ومستقبل هذا الصراع. زاد من هذا التفاؤل، حرص رئيس الوزراء العراقى مصطفى الكاظمي على التذكير بهوية العراق العربية عند افتتاح القمة الثلاثية، وتدوينه على «تويتر» ترحيباً بالعاهل الأردني والرئيس المصري، بقوله: إن «بغداد السلام والعروبة تستقبل اليوم بكل ود وترحيب ضيفيها الكريمين»، وإعلانه أمام القمة «الحاجة إلى عمل مشترك؛ من أجل ترصين وتوحيد المواقف؛ كي نعمل على مسار التنمية وتطوير المنطقة وشعوبها».
لم يكن التفاؤل بالقمة ونتائجها عراقياً فقط؛ بل اتسعت أجواء هذا التفاؤل لتشمل أطرافاً عربية أخرى، إضافة إلى الشريكين المصري والأردني، فزيارة رئيس الوزراء العراقي للسعودية والإمارات قبل أقل من ثلاثة أشهر من انعقاد قمة بغداد، والنتائج التي ترتبت عليها، وعلى الأخص في مجالي تعميق شبكة المصالح الاقتصادية المشتركة بين كل من الرياض وأبوظبي مع بغداد، والدفع بالتنسيق السياسي المشترك خطوات مهمة إلى الأمام، وبالذات من منظور استعادة العراق لدوره العربي؛ دعمت هذا الانطباع الذي تضاعف بما أعلنه كل من الرئيس المصري والعاهل الأردني في القمة، وتعليقاً عليها وخريطة المشاريع والمصالح المهمة التي تضمنها البيان الختامي. فالرئيس السيسي أكد أن بلاده تتطلع إلى تدشين مرحلة جديدة من التعاون البنّاء سواء في الإطار الثنائي أو الإطار الثلاثي (المصري- العراقي- الأردني)، والانطلاق سوياً نحو آفاق من الشراكة الاستراتيجية الممتدة التي تهدف بالأساس إلى تعزيز العمل العربي المشترك؛ وذلك في إطار مستدام من التكامل الاقتصادي والتعاون الاستراتيجي.
من جانبه، حرص الملك عبد الله الثاني على تأكيد حرص بلاده تعميق التنسيق والتشاور المكثف مع مصر والعراق إزاء مختلف القضايا، لكن الأهم أن هناك بعداً شعبياً داعماً لهذه العلاقة؛ تأكد ذلك من مستوى الاحتفاء العراقي الإعلامي الكبير بزيارات تفقدية قام بها الملك عبد الله الثاني إلى منطقة «المزار» جنوبي المملكة، لتفقد الأضرحة والمقامات الشيعية هناك، وخاصة ضريح الصحابي الجليل جعفر بن أبي طالب شقيق الإمام علي بن أبي طالب ووالد زوج السيدة زينب بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعاً.
كل هذا التفاؤل عده البعض مجرد تفاؤل افتراضي؛ لأنه ما زال مقيداً ومحكوماً بمحددين أساسيين؛ أولهما الانتخابات العامة والتشريعية المقررة في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، ونتائجها المحتملة، وبالتحديد ضآلة فرص بقاء مصطفى الكاظمي على رأس الحكومة العراقية بعد هذا التاريخ؛ لأنه لا يستند إلى حزب أو تكتل سياسي له اعتباره في موازين القوى العراقية في مقدوره أن يؤمن له مستقبلاً سياسياً، ناهيك عن غياب تيار سياسي أو قوة سياسية شعبية قادرة على حمل هذا التوجه والسير به قدماً بعد الانتخابات، ثانيهما التعقيدات الجديدة في مسار المفاوضات النووية الجارية في فيينا عبر جولاتها السبع بعد انتخاب رئيس إيران الجديد إبراهيم رئيسي المحسوب على التيار المحافظ، وسيطرة هذا التيار على مقاليد السلطة الثلاث في إيران، ناهيك عن سيطرته على «الحرس الثوري» والمؤسسات السياسية الأهم غير المنتخبة؛ وكونه يحظى بدعم المرشد الأعلى.
فوز رئيسي كان من المرجح أن يؤدي إلى تأزيم وتعقيد مفاوضات جنيف، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من احتمال تجدد الصراع المباشر بين واشنطن وطهران على أرض العراق، ومن ثم الانتكاس نحو الوراء في مسيرة انعتاق العراق من هذه المعادلة الصراعية الجهنمية على أرضه، وهذا ما تحقق بالفعل بعد توجيه الطائرات الأمريكية المقاتلة 6 ضربات على أهداف ل «الحشد الشعبي» العراقى على الحدود العراقية – السورية، ثم ما أعلنه الرئيس الأمريكي جو بايدن من تصريحات متشددة ضد إيران في لقائه مع الرئيس الإسرائيلي ريئوفين ريفلين، الاثنين 2021/6/28 سواء على صعيد تأكيده أنه من أعطى الأوامر بضرب ميليشيات موالية لإيران اعتدت على القوات الأمريكية في العراق أو على صعيد تأكيده وعوده للرئيس الإسرائيلي أنه «لن يسمح أبداً لإيران بامتلاك سلاح نووي».
تصعيد أمريكي أدى إلى تصعيد إيراني وتهديدات من فصائل «الحشد الشعبي» بالثأر، ما يعني العودة مجدداً إلى الوراء، وإعادة التساؤل عن موعد انعتاق العراق من دائرة هذا الصراع؟
عن “الخليج”

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *