Connect with us

أقلام وأراء

حرية الرأي والتعبير

بقلم: د. دلال عريقات

تُعتبر حرية التعبير عن الرأي من أهم الحقوق التي يجب أن تتوفر للإنسان، وهي الأساس الذي يقوم عليه أي نظام ديمقراطي، وتعزز ذلك بميثاق الأمم المتحدة الذي ربط حرية الرأي والتعبير بأهداف المنظمة الأممية وهذا يدل على عالمية هذه الحرية وضرورتها وخاصة في القرن الواحد والعشرين.

تتضمن حرية الرأي عناصر أساسية لحرية التعبير وحرية اعتناق الآراء ونقلها ونشرها دون تدخل أي شخّص، ويتمثل ذلك في حرية الكلام من خلال الوسائل الصوتية، أو المرئية أو المكتوبة، أو المطبوعة. وهنا نستحضر المادة ١٩ من الإعلان العالمي لحقوق الانسان لعام ١٩٤٨: “لكلِّ شخص حقُّ التمتُّع بحرِّية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحقُّ حرِّيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأيَّة وسيلة ودونما اعتبار للحدود”. كما نستحضر المادة ١٩ من القانون الاساسي الفلسطيني: “لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون”.

عند الحديث عن الحرية، كلنا متفقون أن لا حرية مُطلقة، لا بد من حدود للحرية البشرية من خلال ضوابط قانونية وأخلاقية ودينية تتلاءم وطبيعة المجتمع للحفاظ على حقوق الناس والقوانين الوطنية، والأخلاق العامة، والنظام العام. وكما نعلم جميعاً “تنتهي حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين”. حتى الديانات المختلفة وضعت حدوداً لضبط هذه الحريّة لما قد يكون لها مِن أثر سلبي على المجتمع مثل تحريم الكذب والافتراء والغيبة، والنميمة، والسخرية والمس بسمعة الآخرين بذريعة حرية الرأي والتعبير.

نتمتع الْيَوْم بحريات لم تكن موجودةً في السابق، وذلك بسبب سعة الاطّلاع والمعرفة بحياة الشعوب الأخرى، كلّ ذلك حصل بسبب انتشار وسائل الاتصال التكنولوجي التي ألغت المسافات بين الشعوب. فوسائل التواصل الاجتماعي وخاصة ‘الفيسبوك’ قدمت لكل شخص مِنبرا مجانيا عاما يستحيل تقييده. منصات التواصل الاجتماعي فرضت نفسها ككيان إعلامي على وجه الأرض، والدول تتعامل معها بمستويات مختلفة، هناك دول تراقب وسائل الاعلام بدرجة عالية من السلطوية على خلاف دول اخرى تترك مساحة واسعة للفكر والرأي والاختلاف.

هناك سوء فهم وسوء استعمال لوسائل التواصل الاجتماعي، نعم هناك الآلاف الذين يستعملون حساباتهم لمراقبة الناس والوضع العام ولا يدركون أن ‘الفيسبوك’ هو وسيلة للتواصل بالدرجة الأولى. وسائل التواصل الاجتماعي توفر منبرا لكل إنسان ليُعبر عن نفسه وعن حقه، وليس من حق اي إنسان التعدي على حق إنسان آخر.

مع إيماني الراسخ بمدرسة النقد البناء والتوجه الاصلاحي الايجابي ومع التشديد على أن معجم اللغة غني بالمفردات الصحيحة والسليمة، إلا أن هناك نسبة من مستخدمي وسائل التواصل ما زالت تميل لأسلوب شعبوي لا يرتقي لآداب اللغة ولا المهنة. بالرغم من الاستياء الشديد من هؤلاء إلا أنه من المهم إدراك حقيقة أن هذا خيارهم، ولو اختلفنا معهم بالاسلوب وبالفكر وباللغة الا انه ليس من حقنا أن نمنعهم. من سيتبعهم او يميل لاسلوبهم سيكون من نفس المستوى الفكري والثقافي، لذا لا بد من ترك مساحة من الحرية لكل انسان حتى يختار اللغة والاسلوب الذي يعبر عن آرائه ومعتقداته.

ما شهدناه مؤخراً في فلسطين حول حرية الرأي والتعبير مُثير للقلق ومرفوض، كما ان اللجوء لمعالجة الأخطاء من خلال السلطة التنفيذية في كل ما يخص الرأي العام هو بحد ذاته معضلة. ما حصل في فلسطين هو حدث غير طبيعي ويتناقض مع القانون الأساسي الفلسطيني والاعلان العالمي لحقوق الانسان وكافة المواثيق، يتعارض بالدرجة الاولى مع الإنسانية.

بعد صعود صوت فلسطين الحر من غزة والشيخ جراح وبيتا وسلوان والداخل، المؤسف جداً على المستوى السياسي والوطني أنه وبينما بدأت منظمات حقوق الإنسان العالمية تُركز مؤخرًا على انتهاكات إسرائيل ونظام الفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني، يتحول الانتباه الآن إلى انتهاكات حقوق الإنسان في فلسطين من قبل الفلسطينيين أنفسهم، مما أعاق الزخم حول انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي ضد شعبنا.

في زمن ‘الفيسبوك’، أصبحت التفاهة والاستهزاء من الآخرين والكلام الخالي من اي فكر ظاهرة مدرجة تحت بند حرية الرأي والتعبير، نرفض ذلك وبشدة ويجب ضبط هذه السلوكيات وتصحيحها، فمن غير المقبول السكوت على قلة الأدب والإساءة. في ظل غياب المجلس التشريعي، من اللازم تقوية دور النقابة لضمان أخلاقيات النشر، عِلماً أن سياسة التوقيف والاعتقال للتحقيق تقلب موازين الحريات وتكسب شهرة وسمعة لمن كان يحلم بها.
مطلوب تعامل جاد وسريع وحقيقي يضمن حق الضحية والعائلة ويكفل حق كل فرد من هذا الشعب الصامد ويضمن تحريم تكرار المشهد وضرورة إعادة توجيه البوصلة التي انحرفت عن مسارها الوطني والعمل على انجاز الوحدة الوطنية لإنهاء الاحتلال.

حتى تصدر نتائج التحقيق، الرحمة لروح الضحية والعزاء والمشاعر القلبية لعائلته وللشعب الفلسطيني الذي لا تليق به الا الحرية.

د. دلال عريقات: أستاذة الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي، كلية الدراسات العليا، الجامعة العربية الأمريكية.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *