Connect with us

فلسطين

منى الكرد.. صوت حي الشيخ جراح وحكاية حقه الراسخة

القدس- “القدس” دوت كوم- روان الأسعد- منذ طفولتها ومنى الكرد (23 عاماً) من حي الشيخ جراح بمدينة القدس شاهدة على معركة عائلتها وأهالي حيها مع الاحتلال ومستوطنين، في إثبات حقهم ووجودهم في وجه محاولات الاحتلال والمستوطنين إخلاءهم من منازلهم وتهجيرهم، وهي اليوم تشق طريقها في مواجهة أولئك المستوطنين، ولتصبح صوتاً مسموعاً في كل العالم يردد حكاية حي الشيخ جراح.

طفولة منقوصة، وأنامل على الكاميرا توثق انتهاكات الاحتلال بحق أهالي حي الشيخ جراح، هكذا تروي منى الكرد ما عاشته حتى الآن في حديثها لـ”القدس”، بعد أن ألقى الاحتلال بهمجيته الدامية على كل مناحي الحياة الإنسانية في هذا الحي، وسرق منازله وقدمها للمستوطنين، بل يحاول على مدار 49 عاماً الاستيلاء على مزيد من منازل الحي ويخرج أصحابه منه ضمن مخطط استيطاني يحاول الاحتلال فرضه في المدينة المقدسة.

طفلة تركل جيشاً
أحداث الطفولة بإعلاء صوت حي الشيخ جراح لا تزال منى تتذكرها، وبدأتها حينما رفضت استيلاء الاحتلال على نصف منزل عائلتها، بذريعة البناء من دون ترخيص، حينها كانت منى شاهدة على إغلاق منزلها وركلت جنود الاحتلال بقدميها.

منذ كانت خطواتها الصغيرة تدب في بيتها وشوارع حيها، ومنى تشاهد منازل أهالي الحي التي استولى عليها مستوطنون، ومنذ صغرها وهي تشرح لكل من يأتي الحي من عرب وأجانب وأي شخص ما يجري في حيهم، “حياتي ليست عادية، كنت طفلة لا تعيش كأي طفل في العالم، وبدلاً من العيش بين الألعاب كنت أعيش بين معاني القانون الدولي وجرائم الحرب، وأتحدث عن مصطلحات ضد الإنسانية، وشاهدت مواقف أكبر من عمري، وهكذا كان أطفال حي الشيخ جراح والقدس وفلسطين”، تقول منى.

تقول منى: “لقد عشتُ تحت احتلال يريد أن يُطهرّني عرقياً ويهجرني من منزلي، فكل ما يحدث لا يجعل حياتي عادية، وغير ذلك أنا ممنوعة من الحديث عن حياتي، ويريد الاحتلال أن أتحدث عنها بأنها عادية، وهي ليست كذلك”.

كاميرا الطفولة التي كبرت في مقارعة الاستيطان
منى وشقيقها التوأم محمد عاشا طفولتهما يوثقان بالكاميرات ما يحدث من انتهاكات من الاحتلال والمستوطنين بحق أهالي حي الشيخ جراح، وعاشا تجربة قاسية، وتعرضا للضرب والاعتداء والشتم، خلال ذلك، فالمستوطنون في الحي شغلهم الشاغل كما تشير منى، الاعتداء على الأهالي.

تقول منى: “دوري بسيط جداً بالنسبة لما يقوم به نشطاء وإعلاميون داخل فلسطين وخارجها في نقل الرواية وحفظ الذاكرة، لأن هذا هو تاريخنا، وتاريخ جدتي رحمها الله، ووجودها بهذا المكان، وأنا حفيدة لها حفظت التاريخ، ومهمتي أن أنقله للعالم، وأبقى أُصوره، وأوثقه كيفما هو، وكيفما يجب، نقلت الواقع كما هو، والعالم كله قرر من صاحب الحق ووقف معنا”.

وتتابع منى: “برغم أن المسؤولية كبيرة جداً، فإنني ظللتُ أحكي طيلة عمري عن قضيتي (قضية الشيخ جراح)، وأحملها معي في أي مكان أو مناسبة، لكن المسؤولية أصبحت كبيرة لفضح الاحتلال وجرائمه، لكنني لست وحدي فمعي الملايين من الداعمين والمناصرين والمؤازرين للقضية من أحرار العالم”.

ولأن منى تربت على حب قضيتها ومتابعتها اختارت دراسة تخصص الصحافة والإعلام، فهو تخصص متعلق بشكل أساسي لتسليط الضوء على قضية حي الشيخ جراح وإيصالها للعالم.

تقول منى: “بأدوات بسيطة وبدعم من نشطاء وإعلاميين وأحرار العالم الذين اجتمعوا نصرة لهذه القضية، استطعنا أن نوصل صوتنا للعالم، واخترت تخصصي لأجعل الكاميرا تحكي الواقع، وأنقل بصوتي قضيتي بشكل جدي ومدروس”.

وطموحات منى كبيرة، فبعد قضية الشيخ جراح تطمح منى من خلال هذا الحراك الحالي أن تلغَى قرارات التهجير القسري بحق أهالي الشيخ جراح، وجميع أنحاء مدينة القدس.

تقول منى: “أن تتحرر فلسطين هو طموحي الأسمى، وأنا كمنى أطمح أن أُصبح (مخرجة قد الأقصى)، كل الناس تعرف اسمي، وأستطيع عن طريق الأفلام أن أنقل الجوانب التي لا يتم الحديث عنها والتطرق لها في الإعلام، وفي الأفلام عن القدس تحديداً وعن فلسطين بشكل عام”.

منى في مواجهة يعقوب
خلال تصعيد الاحتلال والمستوطنين على حي الشيخ جراح انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر صراع منى مع مستوطن يدعى “يعقوب” سرق نصف منزل عائلتها ويسكن فيه.

تقول منى: “إن الفيديو المتداول كان خلال تصويري مقابلة مع قناة إعلامية، حينها خرج يعقوب المستوطن المستولي على منزلي ليهدد والدي بالضرب، لأنه كان يكتب على الجدران (لن نرحل)، وهنا حاول مراسل القناة الإعلامية أن يسأله بعض الأسئلة، ودار حوار مستفز لي، وجعلني أغضب لأتحدث مع يعقوب، ولا أريد محاورة سارق ومستعمر، وهو يدرك تلك الحقيقة عنه، وحينما تحدثت مع يعقوب المستوطن؛ (هل تعرف أن هذا بيتي؟ فأجابني: نعم. وإذا أنا لم أسرقه فسيسرقه غيري)”.

وتوضح منى: “إن هذا الشخص لم يكن ساذجاً أو غبياً، مثلما قال الناس عنه، بل كان صادقاً، هذا الإسرائيلي الذي لم يقدر أن يكمل مع الكذب الذي كذبه نتنياهو، ومن قبله من سنين طويلة في محاولة منهم لتلميع صورة الصهيونية والاستيطان الموجود في فلسطين، ما قاله هذا المستوطن أكبر دليل يعرِّف العالم بالكيان الغاصب، الذي نعيش في ظله”.

استهداف منى
ولم تسلم الشابة العشرينية من استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي لها ولشقيقها محمد، قبل أكثر من 10 أيام، وكذلك ما تتعرض له من اعتداءات من المستوطنين، كان آخرها الأربعاء من قبل المستوطن يعقوب الذي حاول رشها بالألوان، واحتجزتها قوات الاحتلال، واقتادتها إلى مركز لها في القدس بذريعة أنها تريد تقديم شكوى ضد يعقوب.

في السادس من الشهر الجاري اعتقلت قوات الاحتلال منى وشقيقها محمد وجرى التحقيق معهما لساعات، حيث تقول منى عن اعقتالها: “مثلي كمثل آلاف الشباب المقدسي الذين تم اعتقالهم في الآونة الأخيرة، تم اقتحام منزلي واقتادوني في تمام الساعة التاسعة والنصف صباحاً، من المنزل لمركز التحقيق في شارع صلاح الدين، وبعد انتظار ساعات أدخلوني للتحقيق، وهناك تم توجيه تهمة لي (زعزة الأمن السلمي) على خلفية الفعاليات التي تتم في حي الشيخ جراح، كل التهم التي كانت موجهة ضدي باطلة، وكل ما قالوه غير صحيح، وما هي إلا وسيلة لترهيبي وإخافتي وإسكات صوتي”.

منى الكرد تعرضت للطرد من جلسة لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في السابع والعشرين من الشهر الماضي، بعد اعتراضها على كلمة ممثلة إسرائيل في المجلس في دورته الخاصة الـ30، بشأن العدوان الإسرائيلي على الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس.

القضية صارت عالمية
منذ أكثر من شهرين وقضية الشيخ جراح تتصاعد مع حدة التسارع بمحاولات قضاء الاحتلال ومستوطنوه وقواته الشرطية، تهجير أهالي الحي، لكنّ منى الكرد التي تصاعد صوتها الناطق باسم أهالي الحي تدرك أن وقفات أحرار العالم وأهالي القدس والفلسطينيين عموماً كان لها الدور الكبير في تفعيل قضية الحي وانتصارها، “لذلك نحن نعول على الشباب المقدسي والفلسطيني بشكل عام، لأن وجوده يخلق ضغطاً سياسياً يمكن له أن يحدث تغييراً في قضية الشيخ جراح، لأن قضيتنا سياسية وليست قانونية”، تقول منى.

تؤكد منى أنها ليست الأساس في ما يجري، بل إن قضية الشيخ جراح هي الأساس، لتكون صوتاً لأهالي الحي في مواجهة استهداف المستوطنين، وتقول منى: “اليوم ملايين الناس صارت تحكي بصوتي وصوتنا جميعاً في قضية حي الشيخ جراح، وبات الناس يحفظون ويفهمون القضية عن ظهر قلب، ومن المعروف أن الهدف من اعتقالنا أنا وشقيقي محمد هو الترهيب والتخويف وإسكات صوتنا، إلا أنني كنت أفكر فقط بأسرانا الأبطال البواسل في سجون القمع الإسرائيلي، وإن هذا الاعتقال لا يساوي شيئاً أمام ما عاشوه وما مروا به، لتزداد عزيمتي أكثر وأصر على رفع صوت قضيتي أكثر”.

وتشدد منى الكرد على “أن قضية الشيخ جراح ليس قضية جديدة، بل هي في محاكم الاحتلال منذ 49 عاماً، والهبة الأخيرة جعلت قضيتنا محط اهتمام الجميع، لأننا استطعنا أن نستعمل الأدوات الصحيحة في الوقت الصحيح، فالسوشال ميديا اليوم مكّنتنا من خلق رأي عام يحرك العالم، وهذا ما قمنا بفعله من خلال هواتفنا النقالة، فاستطعنا نقل صوتنا للعالم أجمع”.

وتتابع الكرد: “لقد تصدر هاشتاج (أنقذوا حي الشيخ جراح) المرتبة الأولى عالمياً، وطموحي أن تبقى قضيتنا على طاولة كل البلدان، لأنها تمثل كافة القضايا في القدس وكل فلسطين”.

“الشيخ جراح”.. في مرمى الاستيطان
حي الشيخ جراح الذي يعتبر أهم مفاتيح ومداخل القدس الشمالية كان هدفاً للمستوطنين وجمعياتهم الاستيطانية المتطرفة في إطار السياسة الإسرائيلية منذ عام 1967 الممنهجة والمنظمة والمستهدفة لمدينة القدس والهجمة الاستيطانية عليه خاصة، وعلى المدينة عامة، تحظى بدعم المستوى السياسي الإسرائيلي والأحزاب الإسرائيلية بكافة توجهاتها.

ومارست الجمعيات الاستيطانية كل أشكال التزوير والعربدة من أجل الاستيلاء على 28 منزلاً تضم حوالي 70 أسرة تشمل نحو 550 شخصاً من أهالي حي الشيخ جراح، وقد تمكنت تلك الجمعيات حتى الآن من الاستيلاء على خمسة منازل منها بالقوة والعربدة والبلطجة تشمل 12 أسرة، وهي تعد العدة من أجل استكمال الاستيلاء على المنازل المتبقية، من خلال القضاء الإسرائيلي خلال الأشهر الأخيرة.

في المقابل، بقي أهالي حي الشيخ جراح متشبثين بصمودهم على أرضهم بإمكاناتهم المتواضعة، وتستمر معاناة أصحاب تلك المنازل التي يرويها أصحابها الذين طردوا منها وآثروا البقاء على أرصفة الشوارع والطرقات القريبة من بيوتهم، على أمل العودة لها ثانية، وبإصرار على أنه لا هجرة ثانية .

حي الشيخ جراح، الذي يتهدده غول الاستيطان بالاستيلاء على الحي بأكمله، جميع عائلاته من اللاجئين الذين هجروا عام 1948 من منازلهم في مناطق مختلفة من فلسطين التاريخية، وفي بداية خمسينيات القرن الماضي تم الاتفاق بين الحكومة الأردنية ممثلة بوزارة الإنشاء والتعمير ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين على توفير المسكن لـ28 عائلة لاجئة في حي الشيخ جراح، حيث وفرت الحكومة الأردنية الأرض، وتبرعت وكالة الغوث بتكاليف إنشاء 28 منزلاً، مقابل تخلي تلك العائلات عن بطاقة الإغاثة لصالح وكالة الغوث، وبالفعل قامت وزارة الإنشاء والتعمير الأردنية عام 1956 بالانتهاء من بناء المنازل وتسليمها للعائلات.

ولا تزال عائلات الشيخ جراح ومنذ 49 عاماً تقارع الاحتلال ومستوطنيه من خلال المحاكم الإسرائيلية، من أجل تثبيت عيشهم ووجودهم في هذه المنازل، إذ إن قضية الشيخ جراح من أطول وأقدم القضايا في المحاكم الإسرائيلية، وتعرض أهاليه لشتى أصناف الضغوطات والمضايقات والاعتقالات والإغراءات، كي يتخلوا عن حقهم في العيش والوجود في حي الشيخ جراح، حي آبائهم وأجدادهم.

لقد أصبح حي الشيخ جراح مسرحاً لعمليات المستوطنين المسلحين، يصولون ويجولون فيه بحماية شرطة وقوات الاحتلال الخاصة، ولأن الحي أصبح مزاراً للشخصيات الرسمية والدبلوماسية والجمعيات الدولية والمحلية، منعت شرطة الاحتلال وجود الفلسطينيين والمتضامنين الدوليين والإسرائيليين، ومنعت إقامة الفعاليات في الحي.

الهجمة ضد حي الشيخ جراح، بشكل خاص، لا تزال مستمرة، وتتواصل على القدس الشرقية بشكل عام، في إطار السياسة الممنهجة لسرقة كل ما في القدس من شجر وحجر وبشر وتاريخ وحضارة وهوية وتراث.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *