Connect with us

أقلام وأراء

لجان تحقيق أو تقصي حقائق أو ماذا؟!

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

تتوالى الأحداث الخطيرة في المجتمع الفلسطيني نتيجة لترهل الإدارة، وبالتالي تتوالى الدعوات لتشكيل لجان تحقيق لمعالجة الوقائع والأحداث الخطيرة التي تقع بين فترة وأخرى. وذرا للرماد في العيون درجت السلطة من تاريخ قيامها، على تشكيل لجان لدراسة الحالة والواقعة الخطيرة التي حدثت بدون إسناد قانوني، لكن اللجنة وتقريرها ما يلبث أن يدفن ويقبر في الجوارير، وتغزوه الرطوبة، ويغدو غير صالح للتطبيق بل عبء ثقيل يجب التخلص منه وتقل ثقة المواطن به.
ولعل الدعوات التي انطلقت بصدق للتحقيق في صفقة اللقاحات الأخيرة وملابساتها بصفة خاصة، ستكون نسخة من سابقاتها، وسيبقى كل شيء مثاليا، وكل تصرف سليم لا تشوبه شائبة، أيا كان القائم به سواء أكان موظفا صغيرا أو مسئولا كبيرا، وفي كل زمان وكل مكان!
ذاكرة الشعب للأسف قصيرة وتنسى الأحداث الخطيرة ولجانها. وبالتالي يراهن المسئول على نسيان المواطن هذه الوقائع والأحداث. فمثلا من يذكر اليوم احداث النبي موسى ولجنته وأين وصلت وتوصيات اللجنة بخصوص وزير الأوقاف ووزير السياحة ومدير المتاحف ؟ ومن يذكر لجنة التحقيق في عقار آل جودة في القدس العتيقة وكيفية تسريبه وكيفية دفن تقرير اللجنة؟ ومن يذكر حادثة عمر النايف في السفارة الفلسطينية في بلغاريا؟ ومن يذكر اليوم مقتل فلسطينيين ذكورا وإناثا، من المدنيين الأبرياء في سيارات وفنادق وسجون في الضفة الغربية ؟
ونظرا لأن القائمة طويلة جدا وتحتاج لصفحات وصفحات، يجدر أن نتذكر أخيرا، لجنة التحقيق في مقتل الرئيس المرحوم ” أبو عمار “، واين وصلت وما هي توصياتها؟!
الكارثة في بلدي ذلك الخلط السياسي الرسمي في اللجان وطبيعتها ذاتها، وطبيعة عملها واختصاصها، وكيفية تشكيلها وأعضائها واجتماعاتها ونصابها وإجراءاتها وسماع الشهود بطبيعة قضائية أم إدارية وزمانها وولايتها ورئاستها ووزن توصياتها. وسبب تشكيلها الحقيقي: هل هو غضب الجمهور، أو معاقبة المخالف، أو الإنتقام، أو الإحالة على التقاعد، أو وقف النفوذ. والأهم من ذلك مدى مخالفة القانون في تشكيل اللجان نفسها. ولقد دعونا من وقت طويل، لسن قانون يبين أنواع اللجان وكيفية تشكيلها وطبيعة عملها ومدى إلزامية قراراتها. لكننا ما زلنا في فورتنا العاطفية السياسية بأننا نفهم في القانون بقدر فهمنا في السياسة. ونشكل لجنة تلو لجنة، ونزينها بعضو مهتم بحقوق الإنسان أو قاض سابق. ونأخذ منها ما يعجبنا ونلفظ ما لا يعجبنا، ويبدو أن مثل هذا الأمر مصدر راحة واطمئنان للسلطة التنفيذية بكل فروعها وتجلياتها. ولعل نظرة سطحية على مجمل هذه اللجان التي لا تعرف لها طبيعة تؤكد ما قيل آنفا.
المشكلة أن كثيرا من الأفعال والأحداث والوقائع التي تكون محلا للجان تحقيق تشكل هروبا من جرائم يجب التحقيق فيها أو سترا لها، فتأتي لجان التحقيق التي لا تنفذ توصياتها، لتمنع اللجان المختصة من القيام بوظيفتها الموكلة إليها بموجب القانون، فتكون لجنة التحقيق بذلك مخالفة للقانون ومصادرة له. بكلام آخر كثير من موضوعات لجان التحقيق هي جرائم بالمعنى الدقيق للكلمة، ويجب أن تحقق فيها النيابة العامة بل هي وظيفتها الأولى والأخيرة وبالتالي يجب إعمال الإختصاص الموضوعي وعدم سلبه من الجهة المختصة عبر تشكيل لجنة تحقيق.وكأن لجان التحقيق مصادرة صريحة لقانون العقوبات والإجراءات الجزائية والقوانين المختصة. فالمجرم العادي يحقق معه ويحاكم بموجب القوانين النافذة، أما من تشكل له لجنة تحقيق فيلوذ بتوصيات اللجنة التي لا تنفذ وتبقى أسيرة الجارور.
من أصول وقواعد تشكيل اللجان أن تكون مستقلة محايدة موضوعية ونزيهة وذات اختصاص زماني ومكاني زموضوعي وعدم مخالفة القانون. فلا يعقل ان تشكل الإدارة لجنة لفحص عمل الإدارة ذاتها أو حينما تتنازع المصالح أو لتقصي الحقائق والوقائع. فقد عرف التاريخ القانوني أنواعا مختلفة من اللجان القانونية. وقد كانت وما زالت تشكيل اللجان القانونية للأسف الشديد وسيلة للتهرب من الإلتزامات القانونية الملقاة على كاهل الموظف أو المسئول وإن علا. وقد راى الكثيرون من علماء الإدارة والقانون أن تشكيل لجنة لموضوع ما أو حدث ما هو قتل للموضوع ودفن للحدث ومجرد امتصاص لغضبة الجمهور. ولا تعدم السلطة التنفيذية الوسيلة لتبرير تشكيل اللجان كالعدالة ومعرفة التفاصيل الدقيقة.
موضوع اللجان القانونية هي قريبة لعمل القضاء لذلك يجب أن يكون لها طبيعة قريبة الشبه بالقضاء واستقلاليته ونزاهته وحياديته وموضوعيته، وإلا كانت اللجان مضيعة للوقت وتفريغا للجمهور من احتقانه وأحاسيسه الخفية وغضبه بل قد تكون مزيدا للنفوذ الإداري وتغطية لأفعاله بدل محاسبته عقابيا حتى ولو كان في أبسط صورة سواء أكان إداريا أو ماليا.
لجنة تقصي الحقائق تسعى وتبحث عن الحقيقة وهي تكون في منازعات دولية أو جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو خرق حقوق الإنسان. أما لجان التحقيق فتكون برلمانية أو إدارية أو جنائية. ولجان التحقيق تبحث في مسالة تهم جمهور المواطنين وعامة الناس من أجل الكشف عن الحقيقة، وإسناد الوقائع والأحداث إلى اشخاص محددين بالإسم والصفة، وعمادها القانون أيا كان اسمه. وبالتالي اتخاذ قرارات أو توصيات ملزمة بمسؤولية المحقق معهم، وتقديمهم للمحاكمة لنيل عقابهم، أو عدم مسؤوليتهم وإنصافهم . وهذا الموضوع كما أسلفنا يحتاج إلى قانون منظم عمل اللجان وهو أمر غير متوفر حاليا، لذا سيكون عمل لجان التحقيق مضيعة للوقت وتغييبا للحقائق.
سيادة القانون اساس الدولة القانونية، وركيزته حماية حقوق الإنسان والحريات الفردية، وبدونهما يغدو المجتمع في دولة بوليسية لا تقيم وزنا لكليهما رغم حسن نية القائمين على تنفيذ القوانين، فالطريق إلى جهنم مرصوفة بالنوايا الحسنة. لذا ننتظر صدور قانون من مجلس تشريعي قادم يوضح ويرسي قواعد تشكيل اللجان القانونية. كان استاذنا في جامعة دمشق الأستاذ رزق الله الأنطاكي وهو وزير سابق يكرر مقولة على مسامعنا ” إذا اردت أن تقتل أمرا فشكّل له لجنة “، رحم الله استاذنا!

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *