Connect with us

أقلام وأراء

في مئوية الإعلامية فاطمة البديري… تسطع في الشيخ جراح جيفارا البديري

بقلم: نصار يقين

بعد أقل من شهر من عملية اغتيال الصحافي الفلسطيني الشهيد يوسف أبو حسين في الحرب المجنونة الأخيرة على قطاع غزة، تاتي فعلة جيش الاحتلال في حي الشيخ جراح المقدسي، بحق الإعلامية المتميزة، المعروفة جدا، جيفارا البديري. لم يكن ذلك غريبا أو غير متوقع ممن يرون في الإعلام المنافس الصادق والناسف لإعلامهم المرتكز على والموجه إلى، خدمة كل خزعبلات الاحتلال بحق فلسطين عامة وقدسها خاصة.
بوضوح تام يجد المحتل في الإعلام الفلسطيني دحضا لروايته، وتدميرا لكل ما توهمه الكثيرون في هذا العالم حول ما يجري في فلسطين منذ أكثر من سبعين عاما، نتيجة للرواية الإسرائيلية متكررة الضلال والإضلال، الهادفة لقلب الحقائق من أجل قلب الديومغروفيا والجغرافية وتزييف التاريخ لنقل الملكيات والحقوق من الأصيل إلى الدخيل.
ينظر المحتل إلى الإعلام الفلسطيني نظرة عداء شديد جدا، فهم يخافون من تصرف الفلسطينيين بالإعلام كما يخافون من تصرفهم بالأرض، وفي الماضي نصحهم كبيرهم المؤسس بضرورة السيطرة على وسائل الإعلام من اجل تغيير مفاهيم كل البشر حيال وجود اليهود والتهويد في أرض فلسطين.
قبل الاعتداء على مراسلة الجزيرة جيفارا البديري ببضعة أيام وتحطيم كاميرة مصورها ومحاصرتها بأوقح الاساليب وقيد يديها وجرها إلى المعتقل، كتب توفيق أبو شومر مقالا بعنوان “لماذا يغتالون الإعلاميين؟” جاء فيه : أدرك الفلسطينيون منذ النكبة أهمية الإعلام في مواجهة التضليل الصهيوني، لذلك شرع الفلسطينيون في تأسيس بُنيتهم الإعلامية الفلسطينية، فلا غرابة حين أصدر، أحمد الشقيري قرارا بتأسيس البنية الرئيسة للإعلام الفلسطيني، أو، عقل فلسطين، عام 1965م المتمثل في مركز الأبحاث الفلسطيني، لأجل ذلك شرع أباطرة إعلام التضليل الصهيونيين في وضع خطط هدفها تصفية الباحثين، وتدمير المركز بالكامل، بعد سرقة محتوياته عام 1983م. وظلَّ المحتلون يعتبرون الإعلاميين أشد خطرا من العسكريين والسياسيين، لهذا اغتالوا منهم الكثيرين ، لأنهم كانوا يملكون قدرات إعلامية فائقة، استطاعوا بها أن يفككوا التضليل الإعلامي الصهيوني، ويكسبوا الرأي العام العربي والدولي، تمكنوا بالفعل من اكتساب جماهيرية تنويرية عالمية! كذلك لم يكن سببُ اغتيال سياسيين وعسكريين فلسطينيين هو كونهم قادة عسكريون أو سياسيون فقط، بل لأنهم قادة إعلاميين! وفي النهاية قال ابو شومر :سيظل الإعلاميون الفلسطينيون في ألفيتنا الثالثة أهدافا عسكرية إسرائيلية بالغة الخطورة، لأن عصرنا الراهن هو عصر التوجيه، والتأثير، والتغيير الإعلامي!
ونعود إلى مراسلة الجزيرة، الإعلامية جيفارا البديري، بسؤال: ما الذي اجتمع لها حتى تحقق لها كل هذا الانتشار وكسبت كل هؤلاء المشاهدين المستمعين؟ لقد اجتمع لها ما يشبه كثيرا الذي اجتمع للإعلامية المرحومة ” فاطمة البديري” التي ولدت في القدس قبل قرن كامل من الزمان، ولقد فرضت فصاحة فاطمة البديري على إذاعة “هنا القدس” التي تاسست عام 1936 أن تكون أول سيدة عربية تقدم نشرة الأخبار، وبفضل ما اجتمع لها من إرث ثقافي ورثته عن أبيها الشيخ موسى البديري خاصة، وعن عائلة البديري عامة، التي تمتعت كغيرها من عائلات القدس العريقة بسبق وتميز معرفي، فقد نافست بقوة على تبوء ذلك المنصب في الإذاعة الفلسطينية وكسبته بجدارة وظلت فيه حتى سنة النكبة، سخونة الوضع السياسي في فلسطين ومفاجئات الأخبار وقلة الإذاعات او انعدامها بالأحرى في الوطن العربي باستثناء مصر أعطت لفاطمة البديري كل أسباب الشهرة والانتشار، في الأربعينات من القرن الماضي أصبح لإذاعة القدس إذاعة خارجية تبث خطبة وصلاة الجمعة من المسجد الأقصى المبارك وكان ذلك حدثا إعلاميا عربيا صاعقا جديدا، بعد النكبة تنقلت فاطمة البديري للعمل في عدة إذاعات عربية وعالمية، فقد عملت بعد هجرتها من الوطن في الإذاعة السورية لمدة سنتين وخمس سنوات في الإذاعة الأردنية وسبع سنوات في الإذاعة الألمانية، بكل المقاييس كانت فاطمة البديري مدهشة في سبقها الإعلامي في زمنها وزمن العرب قبل نكبتهم عام 1948 وبعد نكبتهم.
من المؤكد بأن سيرة الإعلامي الكبير اسحق البديري والد جيفارا، الذي فاز بلقب الشخصية الثقافية في فلسطين سنة 2019 بعد نصف قرن من العطاء الإعلامي كانت ملهمة لابنته جيفارا البديري إلى حد كبير، إسحق، طفل القطمون اللاجيء في عمر 5 سنوات، الذي أفاق اولا على صوت التفجير الهائل الذي دمر منزل اعمامه في القطمون على يد العصابات الصهيونية التي كانت تستموت لاكتساح ما أمكن من احياء القدس الغربية، ثم قُدر له في الصباح ان يرى بعينيه أسراب الراحلين عن القطمون والبقعة والطالبية تاركين خلفهم اجمل منازل الشرق، هو نفس الطفل الذي لجأ الى مصر أولا ثم عادت به الأسرة مسرعة إلى حي الطور في القدس، من على مشارف جبل الطور كان ذاك الطفل يرى القدس ومسجدها الأقصى بقبته الفضية البيضاء، وعلى مسافة قريبة جدا وفي قلب الحرم القدسي الشريف يرى قبة الصخرة المشرفة الذهبية الصفراء بكامل بهائها وجمالها وسحرها، وفي مدارس الطور كانت أول دروس العلم التي يلقها الطالب في سنوات دراسته الأولى، في تلك الفترة التي كان عمر الطفل فيها لم يتجاوز السابعة من عمره، كان بإمكانه ان يرى أيضا حواجز قوات الهدنة الدولية ومن خلفها يظهر الجنود الإسرائيليون الذي يحمون الجيب الصهيوني في القدس الشرقية على بعد أمتار قليلة من بوابة مستشفى المطلع، انتقل الطالب اسحق البديري الى المدرسة العمرية، إحدى مدارس المسجد الأقصى المبارك داخل المدينة المسورة وهناك رأى القدس القديمة بكامل عبقها، ومنها إلى مدرسة عبد الله بن الحسين في الشيخ جراح الذي سوف تجاهد ابنته فيه بعد نصف قرن من الزمان وتتعرض لسخط وحنق المحتلين، ثم ينتقل الطالب إلى المدرسية الرشيدية التي كانت اهم مدارس فلسطين قبل ان يسطو منهاج ومنهج المحتل على كتبها وطلابها، فيتبعثر طلابها في جهات كثيرة، من تلك المدرسة تخرج اسحق البديري وانتقل للدراسة في جامعة القاهرة حيث المد الثوري العربي والناصرية الرابحة الثائرة والقائدة لفكر العرب، وهناك توسعت مدارك الطالب كثيرا وحصل على شهادة الحقوق، وعاد لوطنه مشحونا بكل ما يحتاجه المناضل، أما بقية قصته وكفاحه مع فيصل القدس الحسيني معروفة في تاسيس جميعة الدراسات العربية وبعث الروح في بيت الشرق، وتحويل المكان إلى مركز فكر مقاوم في قلب القدس الذي أكد على دورها كعاصمة مركزية لكل الوطن. إذن، من هذا البيت الغاضب الثائر جاء الغضب في صوت جيفارا، وجاء الانحياز الصادق الأمين في رسائلها وتقاريرها، وجاءت القوة في كل ملامحها، وجاءتها كل بسالة وشجاعة المذيع والمراسل، ولما التهبت الأرض في الشيخ جراح والعيسوية وسلوان وكل أحياء القدس وكل بقاع الوطن كانت جيفارا تبوح بصوتها كل ما تختزنه صدور أبناء شعبها بلسانها الفصيح، ولاكتمال كل أسباب التميز والتفوق وجدت في ميكرفون الجزيرة النافذ كل ما تحتاجه لنقل كل ما تريد بأعلى صوت وأوضح صورة، بمؤزارة اروع زميلات وزملاء نجحت الجزيرة في السبق اليهم. في قناة الجزيرة الذكية وطواقمها القوية، وجدت جيفارا كل ما تريد، فأعطت لهذه القناة ومعها باقي المراسين من فلسطين كل مظاهر التميز في تغطية أهم ساحة إعلامية في هذا العالم وفي هذا الزمان، فاصبحت قناة الجزيرة قناة العرب الأولى لأنها أدركت قيمة قضية العرب الأولى، جزيل الشكر لقناة الجزيرة على هذه الجهود التي غطت كل أحداث القدس وكل تفاصيل الحرب على قطاع غزة، لقد اخترقت قناة الجزيرة كل الجدران، واسمعت العالم صوت الفلسطيني في حي النسناس في حيفا، وتجولت بالكل داخل اسوار عكا ومرت بهم في جميع اسواقها، ولم تنس العربي الفسطيني في اللد والرملة، ولا الصلاة في جامع حسن بيك في منشية يافا، اقتحمت جيوب الفقر في المدن داخل الخط الأخضر التي يقطنها عرب فلسطين الداخل، الممنوعون من صيانة منازلهم أوإجراء اي تطويرعليها وكشفت أحوالهم بالكامل، ولم تنس مرة واحدة فضح الذين يهدمون قرية العراقيب في النقب كل شهر مرتين، وفي القدس حضرت الجزيرة في كل ابواب المدينة، وبثت كل صور غضب القدس من باب العامود وباب الساهرة الزاهرة وباب الأسباط وباق الأبواب، وعرضت كل جمال القدس بكل امتداد سورها وقلاعه وابوابه العظيمة، عرضت لكل المتعطشين لزيارة المسجد الأقصى المبارك، كل اركانه وأروقته العظيمة، وكل مآذنه ومساطبه وأبوابه ومقرنصاته وشبابيكه، وتناوب الألون في حجارته وبنائه، وعتق هذه الحجارة، وكل محاريبه بما فيها محراب نور الدين، ومنبر صلاح الدين، نقلت خطب الجمع وصلوات التراويح وإحياءات ليلة القدر في كل عام وصلاة العيدين، ونقلت عدساتها إلى كل الزوايا والجهات كي تعرض للمشاهدين كل مفاتن حرم القدس الطهور وكل ساحاته العظيمة الفسيحة، والشكر موصول لكل إعلامي يذود عن حياض هذا الوطن، وفي نهاية الحديث عن بطولة جيفارا البديري في قناة الجزيرة، نشكرها كثيرا ونسجل إعجابنا بها كثيرا، ونقول شكرا وليد، شكرا للدحدوح، وشكرا شيرين، شكرا الياس وشكرا ابو شمالة وشكرا لنجوان وشكرا وشكرا للجميع و لمرافقيهم.


اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *