Connect with us

أقلام وأراء

هل سيجد الفلسطينيون “العدالة” في المحاكم الاسرائيلية

بقلم: معين عودة

يحظى النظام القضائي في إسرائيل باحترام كبير وينظر إليه وإلى حد ما كنظام بعيد عن التجاذبات السياسية الداخلية. كذلك يُعتبر النظام القضائي الاسرائيلي من الانظمة المتطورة في العديد من مجالات القانون، خصوصًا القانون التجاري وقوانين الضرائب. وينظر كثير من الإسرائيليين إلى المحكمة العليا على أنها “درة التاج” للنظام القضائي، وكتجسيد فعلي لمبدأ سلطة القانون وفصل السلطات، من حيث قدرة النظام القضائي بشكل عام والمحكمة العليا بشكل خاص على نقد السلطتين التنفيذية والبرلمانية على حدّ سواء. اضافة الى ذلك، فان انعدام وجود دستور رسمي في إسرائيل، واعتماد النظام القانوني على قوانين أساس ذات طابع دستوري أعلى من القوانين العادية، منح النظام القضائي عامة والمحكمة العليا خاصة إمكانية البت في قضايا مهمة جدا للمجتمع الإسرائيلي، ذات طابع حقوقي دستوري في مجالات مفصلية وحساسة.


كل الكلام أعلاه صحيح عندما يكون الحديث عن قضايا مدنية او دستورية داخل اسرائيل وبين مواطنيها اليهود بعضهم البعض، او بين المواطنين اليهود والسلطات الحكومية من طرف آخر. هذا التطور القانوني والقضائي يتلاشى عند الحديث عن قضايا ترتبط مباشرة بأصل الصراع الفلسطيني-الاسرائيلي كقضايا ادعاءات الملكية للمستوطنين، كما يحدث حاليا في الشيخ جراح وسلوان. في هذه القضايا بالتحديد يشعر المقدسيون –وهو شعور صحيح بالغالب- انهم لا يواجهون المستوطنين وحدهم، بل يواجهون السلطات والمحاكم الاسرائيلية أيضا.


بأي حال، فإن جنوح المجتمع الاسرائيلي بالمجمل الى اليمين ليس سراً أو جديداً، اذ ان قرابة الـ 70% ممن صوتوا بالانتخابات الاسرائيلية الاخيرة، صوتوا لأحزاب يمينية او قريبة من اليمين. هذا يعني، ان القضاة بشكل او بآخر قد جنحوا هم ايضا الى اليمين من ناحية الفكر السياسي، وان قراراتهم حتما تتماشى مع اعتباراتهم السياسة، خصوصا وان الكثير من القوانين المختصة بالمقدسيين خاصة او الفلسطينيين بالعموم هي مجحفة، في حين ان دور القضاة في كثير من الاحيان غالباً ما يكون دوراً ثانوياً، الا إذا أرادوا ذلك، وبالغالب هم لا يريدون.

المقدسيون والقوانين والمحاكم


هناك قرابة الـ70 قانونًا إسرائيليًا يميز بشكل مباشر أو غير مباشر ضد الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل و/أو الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية على أساس انتمائهم القومي. تمت صياغة معظم هذه القوانين لتبدو وكأنها محايدة، ولكن عند التطبيق يكون لها تأثير ليس بالبسيط على الفلسطينيين والمقدسيين خصوصاً.
تحد هذه القوانين من حقوق الفلسطينيين في جميع مجالات الحياة، من حقوق المواطنة إلى حق المشاركة السياسية، والحق في الملكية والسكن، وحقوق التعليم، والحقوق الثقافية واللغوية، والحقوق الدينية، وحقوق الإجراءات القانونية الواجبة أثناء الاحتجاز وغيره من الامور الحياتية.

من أكثر القوانين إشكالية، قانون أملاك الغائبين، حيث يعرف القانون الأشخاص الذين طردوا أو فروا أو غادروا البلاد بعد 29 تشرين ثاني/نوفمبر 1947 وحتى يوم 20 آذار/مارس 1950 بسبب الحرب، بصفتهم “غائبين”، وتم اعتبار ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة (بشكل أساسي الأراضي والمنازل والحسابات المصرفية وما إلى ذلك) أملاك غائبين. تم وضع ممتلكات الغائبين تحت سيطرة دولة إسرائيل من خلال الوصي على أملاك الغائبين.

ويعتبر قانون أملاك الغائبين الأداة القانونية الرئيسية التي تستخدمها إسرائيل للاستيلاء على الأراضي التابعة للاجئين الفلسطينيين الداخليين والخارجيين، ولان معظم العائلات الفلسطينية لديها أفراد غائبون، يعرض هذا القانون العديد من ممتلكات الفلسطينيين لخطر كبير.


القوانين الاكثر خطورة في حالة حي الشيخ جراح وبلدة سلوان، هي تلك التي تسمح للمستوطنين بالمطالبة بكل الممتلكات اليهودية بالقدس الشرقية التي فقدت بين عامي 1948 حتى 1967، بينما نفس القوانين تمنع الفلسطينيين من المطالبة بممتلكاتهم التي فقدوها عام 1948 وبعده، حتى لو كانوا يملكون أوراقا ثبوتية اضعاف التي تعرضها الجمعيات الاستيطانية.


بالتالي فان الاشكالية الكبرى التي يجب مواجهتها بالفعل هي القوانين العنصرية، فالمحاكم في كثير من الأحيان تتعامل مع منظومة قوانين تقف حائلا أمام إنصاف الفلسطينيين، أي أنه حتى لو تواجدت القضية بيدي قاض يساري او ليبيرالي، فان امكانية الحكم لصالح المقدسيين او الفلسطينيين تكاد تكون صفرية بسبب القوانين المجحفة أصلاً. بالمقابل، فانه في قضايا سلوان والشيخ جراح اقرت الهيئات القضائية بأن إجراءات المنظمات الاستيطانية في الاستيلاء على الأرض او البيوت قد شابها الكثير من العيوب، وأثارت أسئلة حول قانونية نقل ملكية الأرض إلى الجمعيات اليمينية المتطرفة، لكن تلك الهيئات القضائية اقرت بملكية المستوطنين للأراضي.

بمعنى انه حتى لو كان القانون –في حالات نادرة- ينصف المقدسيين، فان المحاكم تتغاضى عن الاشكاليات القانونية او الاجرائية وتمنح الحق للمستوطنين، على حساب السكان المقدسيين المحميين حسب القانون الدولي.

توجه المضطر


ان المشكلة ليست في التوجه إلى المحاكم الإسرائيلية، فعلى الرغم من أن بعض المتابعين يرون انه لا يسمن ولا يغني من جوع وان نتيجته حتمية، الا انه مجرد ملجأ لتجميد الإجراءات. لكن المشكلة الفعلية كانت –ولا تزال- ان لا أحد يستغل الوقت الذي تنجح معه الجهود القانونية في تجميد الاجراءات، بل على العكس، احيانا تستخدم السلطات الاسرائيلية نفسها هذا الوقت لخلق وقائع على الارض.

وتكمن في مسار التوجه الى المحاكم الاسرائيلية نقطتان، الاولى: غياب الاستراتيجية الفلسطينية الواضحة بخصوص هذا التوجه، حيث لا توجد رؤية فلسطينية واضحة حول متى يجب، ومتى لا يجب، التوجه. والثانية: غياب وجود جسم فلسطيني رسمي او شبه رسمي لتحديد معايير التوجه إلى القضاء الإسرائيلي، وتأثير هذا التوجه القانوني على المستويات الأخرى سواء كانت سياسية أو غيرها.


أود هنا الفت النظر الى ان بعض مؤسسات المجتمع المدني تستغل مسار التوجه إلى المحاكم الإسرائيلية كمصدر دخل لها، وبشكل خارج عن إطار المهنية أو فاعلية هذا التوجه، تهتم تلك المؤسسات في أن تظهر للممول بأنها قدمت سنويا عشرات الدعاوى في المحاكم، وتعتبر التوجه للمحكمة إنجازا بحد ذاته، حتى أن العديد من هذه الدعاوى متشابهة مع بعضها البعض، دون ابداء أي تغيير حتى للادعاءات القانونية. وفي المقابل، فإن معظم الجهات الممولة لتلك المؤسسات لا تملك الخبرة ولا الأهلية، ولا الرغبة حتى لفحص ماهية ومهنية تلك التوجهات والدعاوى.


وبالرغم من ذلك، لا أحد يستطيع ان يطلب من رب أسرة، بيتها مهدد بالهدم من الامتناع عن التوجه للقضاء الاسرائيلي لمنع او على الاقل لتجميد قرار هدم بيت الاسرة، كذلك هو الحال بقضايا ادعاءات المستوطنين للملكية، فلا يمكن الطلب من العائلات عدم الدفاع القانوني عن بيوتها.


من جهتها لا تمارس البعثات الدبلوماسية الضغط على إسرائيل بما فيه الكفاية، فالغالبية العظمى من تلك البعثات تغض النظر الى حد ما –في حالة عدم وجود فعاليات جماهيرية- وتترك الامور تدار في أروقة المحاكم. تأمل تلك البعثات في حل القضايا عبر المحاكم، فهي حقا لا تريد مواجهة اسرائيل من جهة، ولا تريد إدارة ظهرها للمطالب الفلسطينية. وفي عديد الحالات قامت المحاكم الاسرائيلي على اختلافها بتأجيل القضايا مرة بعد مرة وهو أمر مريح لتلك البعثات.

ماذا يجب ان نفعل


منذ حرب الأيام الستة في العام 1967وبعد السيطرة الاسرائيلية على شرق القدس والضفة الغربية، لا توجد حتى الآن رؤية فلسطينية واضحة حول التوجه للمحاكم الإسرائيلية، وذلك على الرغم من التدخل الإسرائيلي بمعظم -إذا لم نقل كل- نواحي الحياة في المناطق الفلسطينية.

ان التوجه للنظام القضائي الإسرائيلي والمحاكم الإسرائيلية يمكن أن تكون له نتائج إيجابية على المدى القريب، على الأقل على صعيد تجميد قرارات الهدم ومنع الترحيل لفترة معينة، والقضاء الإسرائيلي يمكن أن يساعد في عملية “شراء الوقت” للفلسطينيين على أمل أن تنجح المساعي الدبلوماسية والدولية في حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، لكن هذا يجب ان يكون من خلال بناء استراتيجية وطنية واضحة لكيفية استغلال الوقت، فالأصل ان تكون كل الجهات الفلسطينية واعية لمسؤوليتها، وان تبدأ في العمل حتى قبل التوجه للمحاكم. يجب عدم الانتظار الى ان يبدأ العد العكسي للإخلاء او للتهجير او الهدم او بعد ان يصدر قرار من المحاكم للبدء بالبحث عن امكانيات وحلول.


ان التوجه للمحاكم بالقضايا الفردية، مثل قضايا تجميد قرارات الهدم وقضايا الاخلاء وادعاءات الملكية من المستوطنين، هو أمر لا يمكن مطالبة الافراد بعدم القيام به، لكن يجب مساندتهم ودعمهم مادياً وسياسياً ودبلوماسياً، ووضع استراتيجية واضحة لكيفية التعامل في هذه الحالات. وفي حالات القضايا التي تمس قوانين عنصرية “مثل قانون القومية” ينبغي عدم التوجه للمحاكم ضد هكذا قوانين، فعلى العكس، فان الضرر الاسرائيلي على المستوى الدولي من هكذا قوانين هو أكبر من أي استفادة، والتوجه للمحاكم يعطي صورة خاطئة عن “العدل” الذي يمكن الحصول عليه من هكذا قضايا.


لا شك ان للتوجه لمحكمة الجنايات الدولية هو خطوة اضافية، لكن يجب الخروج من صندوق التصريحات والبدء بالعمل الجدي لفهم الامكانيات القانونية للتوجه لهذه المحكمة في حالات الهدم والاخلاء بادعاءات ملكية المستوطنين، فهذه القضايا معقدة وطويلة الامد، ولا يمكن الطلب من المواطن العادي الانتظار عشرات السنوات لتحقيق العدالة الدولية، فالمحكمة الجنائية الدولية قد تحاكم من اعطى اوامر التنفيذ، لكنها لا ولن تعطي أوامر بتجميد الهدم أو الترحيل ولا صلاحية لها بذلك.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *