Connect with us

أقلام وأراء

“دوف” كنفاني يخرج في مظاهرات حيفا

بقلم: حمدي فراج

لم يذكر التقرير المصور الذي بثته الكثير من الفضائيات، بما فيها فضائيات اسرائيليةي، عدد العائلات اليهودية وهي تحزم امتعتها في سياراتها وتغادر مدينة اللد، ونقلت على ألسنة بعضهم ان غلاف غزة أكثر أمنا من اللد، ولكن لو كانت عائلة واحدة مكونة من الزوج والزوجة وأطفالهما، فإنها كافية من الوجهة الموضوعية لأن تشكل “خيط البنّاء” لإقامة صرح الحقيقة التي وضع مدماكها مبكرا المبدع غسان كنفاني في روايته الخالدة “عائد الى حيفا” قبل ما يزيد على خمسين سنة .
يأخذ الابن “خلدون” الذي اصبح “دوف” ، يأخذ على ابيه ضعفه وعجزه وتخلفه ودموعه لاسترداده “كل دموع الارض لا تستطيع ان تحمل زورقا صغيرا يتسع لأبوين يبحثان عن طفلهما المفقود” . فيرد عليه الاب : ولكن متى تكفون عن اعتبار ضعف الاخرين واخطائهم مجيرة لحساب ميزاتكم ؟ ان اكبر جريمة يمكن لاي انسان ان يرتكبها هي ان يعتقد ولو للحظة ان ضعف الاخرين هي التي تشكل حقه في الوجود على حسابهم وتبرر له جرائمه . اتعتقد اننا سنظل ضعفاء ؟ واذا تجاوزنا ذات يوم ضعفنا فما الذي يتبقى لديكم ؟ تستطيعان – أنت وامك البولندية – البقاء مؤقتا في بيتنا ، فذلك شيء تحتاج تسويته الى حرب . انت عارنا و ابني خالد – لاحظ انني لم اقل انه اخوك – هو شرفنا الباقي .
لم تكن حرب بقدر ما كانت موقعة ، والاقرب انها كانت حربا عدوانية على غزة التي شهدت تدميرا من اجل التدمير ، وسفكا لدماء نحو سبعين طفلا في اقل من عشرة ايام ، بعضهم كان في عمر “خلدون” او أصغر ، كانوا نياما في احضان ابائهم وامهاتهم ، خلدون حولوه الى “دوف” بدعوى ان ابيه وامه تركاه خلفهما ، أما بقية السبعين طفلا فقد قتلوهم مع ابائهم وامهاتهم .
وما ان وضعت حربهم القذرة اوزارها على غزة ، حتى شنوا حربهم “النظيفة” على اللد والرملة وحيفا ويافا وعكا وكفر كنا وام الفحم والعفولة وعشرات القرى والبلدات الفلسطينية في الداخل ، واعتقلوا حتى اللحظة ما يزيد على ألفي شاب خرجوا الى الشوارع بعد ما يزيد على سبعين سنة من محاولات التدجين والترويض والتهميش والتجنيد والتحييد والاسرلة .
لقد قرأ هؤلاء الاولاد “عائد الى حيفا” ، وحز في نفوسهم مأساة “سعيد وصفية” ، ترك ابنهما الرضيع ، حز في نفوسهم مجيئهما للبحث عنه بعد عشرين سنة املا ان يجدوه ، فوجدوه قد تهوّد واصبح ضابطا في “جيش الدفاع” ، لكن الذي اخرجهم عن بكرتهم وغريفهم هو انهم لا يريدوا ان يصبحوا “دوفا” آخر ، عار ابائهم وامهاتهم وجدّهم غسان كنفاني . فاضت مياه جدولهم على الجنبين، جنب التمييز العنصري وجنب تخلي الرسميين الفلسطينيين عنهم .
ولو امعنا النظر ودققنا فيمن خرج كنا لربما وجدنا دوف قد عاد الى صوابه الخلدوني العربي وخرج من ضمن الخارجين .


اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *