Connect with us

فلسطين

حسناء عمر.. “سفيرة النوايا الحسنة” تهزم عجزها البصري

طولكرم- “القدس” دوت كوم- روان الأسعد- يتحول فقدان البصر لدى الشابة العشرينية حسناء عمر من طولكرم من عجز إلى دافع للنجاح والتميز، وتتلاشى الصعوبات بغية تحقيق طموحاتها وأهدافها، إذ حولت حسناء الإعاقة إلى حاجز لتنمية مواهبها وتخطت أزماتها لتشارك بفعالية في المجتمع، وأثبتت مجدداً أن الإرادة تصنع المعجزات وتهزم العجز الجسدي.

الإعاقة لا تلغي الإرادة
يقول عميد الأدب العربي طه حسين: “شر العمى.. عمى القلوب”، وهو ما أكدته الشابة حسناء، على رغم أن عينيها قد انطفأ النور فيهما إلى الأبد، لكنها هزمت العجز الجسدي، وسارت في طريق الانتصار على إعاقتها من خلال الإبداع والعمل.
تقول حسناء التي مُنحت لقب “سفيرة النوايا الحسنة لجامعة القدس المفتوحة”، على تحدي الإعاقة البصرية، في حديث لـ”القدس”: “إن الإعاقة لا تلغي الطاقة والإرادة تلغي المستحيل، كما أن الله إذا أحب عبداً ابتلاه، والحمد لله على رغم أنني فقد البصر فإن الله منحني البصيرة والعقل والتفكير وحسن التدبير، ربما عيناي مغلقتين بظلام العمى الذي يسد عليّ نور الدنيا، لكن العلم والتعلم واندماجي بالمجتمع في مرحلة الدراسة فتحت عينيّ على عالم مختلف ومذاق آخرين للحياة، ما جعلني أُلغي من حياتي وعقلي كلمات إعاقة ويأس ومعاناة، وأتخذ قراراً بأن تكون لي شخصيتي من خلال الدراسة والاجتهاد دون قيود”.
أما فقدان البصر، فلن يقيد حسناء أبداً، أو يحد من طموحها بأن تصبح إنسانة متعلمة قادرة على بناء نفسها وتساهم في بناء مجتمعها وخدمته، وتقول: “إنني في العشرين من عمري وفي سنتي الجامعية الثالثة، أدرس تخصص الخدمة المجتمعية، ولا قيود أو صعوبات يمكن لها أن توقفني”.

حكاية منذ الولادة.. “والداي عيناي”
منذ ولادتها بدأت حكاية حسناء، فبعد 18 عاماً رزق والدها بطفلة بعد عملية زراعة، وتقول حسناء: “توفي أخواي الاثنان وقت الولادة، وبقيت أنا لمدة 60 يوماً في الحاضنة، لأنني ولدت في الشهر السادس، وبسبب خطأ طبي فقدت بصري منذ تلك اللحظات، لكن والدي كانا عيناي اللتان أرى من خلالهما نور الدنيا وجمالها، وبالرغم من أن فقدان حاسة مهمة كالبصر صدمة قاسية، ووجع كبير، فإن والديَّ كانا لي خير عون، وخاصة أبي الذي حاول مساعدتي وتوفير كل ما أحتاجه لأتغلب على هذه المحنة، وأزداد عزيمة وإصرارًا وأتحدى الواقع، وأثبت نفسي دون خوف أو خجل من وضعي، وغرس بداخلي إيماناً كبيراً بأن الإعاقة لا تلغي طاقتي أو إبداعي، بل على العكس تساعدني على اكتشاف مواهبي وقدراتي التي لا يحظى بها أقراني”.

حسناء في المدرسة.. امتيازات وصعوبات
بالفعل أرسل الوالدن حسناء إلى مدرسة خاصة للمكفوفين، وهي مدرسة القبس للإعاقة البصرية في مدينة البيرة، تعلمت فيها عشر سنوات من الصف الأول حتى العاشر، ولم تواجه أيّ صعوبات في الدراسة، وبعد انتهاء الحصص، كان لها سكن خاص مع زميلاتها، يمرحن ويدرسن مع بعضهن، وفي نهاية الأسبوع يصطحبهنّ والدها إلى بيتهم.
تعلمت حسناء وزميلاتها طريقة الكتابة بلغة “بريل” واستخدام الحاسوب، وكذلك اللغة الإنجليزية، واستطاعت بعد الصف الأول أن تتقن الكتابة والقراءة على آلة “بريل” الخاصة بالمكفوفين، وبعد الصف العاشر تخرجت حسناء من المدرسة، وهي تحمل شهادات تقدير وجوائز عديدة، لتعود بعدها لإلى مدينتها طولكرم، وتندمج بالمدارس الحكومية، فدرست الصفين الحادي والثاني عشر بالمدرسة العمرية.
واجهت حسناء في المدرسة العمرية صعوبات كثيرة، كون الطلبة والمعلمين لم يكونوا مهيئين لحالة كحالتها، ولم تكن هنالك مواءمة مع عدد الطالبات في الصف الذي كان كبيرًا، والشرح يتم من خلال الكتابة على الصبورة، لكن هذا لم يحد طموح حسناء ولم يشكل عائقاً أمامها، فاجتهدت وزادت عزيمتها وقوتها وإصرارها على النجاح، وبالفعل نجحت وأنهت الثانوية العامة، وفق ما توضح.
تقول حسناء: “إن الفضل في اجتيازي لمرحلة الثانوية العامة يعود إلى مديرتي في مدرسة العمرية نداء حمدان التي شكلت لي سنداً وحافزاً قوياً، وساعدتني بكل ما استطاعت، وأوجه لها الشكر والامتنان دائمًا من أعماق قلبي”.

سفيرة النوايا الحسنة في الجامعة
بعد إنهائها مرحلة الثانوية العامة لم يكن لدى حناء عمر تخوفات كبيرة من الحياة الجامعية، خاصة أنها كانت منذ البداية قد قررت أن تدرس في جامعة القدس المفتوحة، وتقول: “إن جامعة القدس المفتوحة هي جامعة الوطن، وأنا أعلم أن الكثير من ذوي الهمم قد درسوا فيها، واستطاعوا تخطي الصعاب، وكذلك أنا سأقدر، وبالفعل منذ اللحظة الأولى التي ذهبت فيها للتسجيل كان الكل يقف إلى جانبي، وقدموا لي كل العون والمساعدة”.
وتتابع حسناء: “لقد شعرت أن الجامعة هي عائلتي الثانية بكل العاملين فيها دون استثناء، لقد عاملوني بحب كبير، وشجعوني، وزادوا من عزيمتي وإصراري على تحقيق النجاح، وأمنوا لي الكتب، وكل ما أحتاجه، لراحتي وتسهيل دراستي، والأجمل من ذلك كله هو تكريم رئيس جامعة القدس المفتوحة الدكتور يونس عمرو ومنحي لقب (سفيرة النوايا الحسنة لجامعة القدس المفتوحة)، على إتقاني عدة لغات، إضافة إلى حفظي أجزاء من القرآن الكريم وتجويده، على رغم إعاقتي البصرية، وكان هذا التكريم أيضاً حافزاً آخر لي، للاستمرار والاجتهاد أكثر، من أجل تحقيق مزيد من النجاحات”.

حسناء تتقن اللغة الكردستانية.. هذه هي الحكاية
من خلال حبها للتعلم، اكتشفت حسناء شغفها نحو تعلم اللغات، وأنها قادرة على ذلك، فبدأت تعلم اللغات من خلال برامج الأطفال المتلفزة، حينما سألت والدها عن إحداها، وماهي هذه اللغة التي يتحدثون بها، حينها أخبرها بأنها اللغة الكردستانية، وبالفعل بدأت حسناء تتابع تلم اللغة وتتعلمها وحدها، إلى أن أتقنتها بشكل تام.
ومن خلال قناتها على “اليوتيوب” وجهت حسناء رسالة إلى الرئيس برزاني عن حلمها في زيارة كردستان العراق، حيث توضح حسناء لـ”القدس”، “بالفعل وصلت رسالتي للرئيس برزاني، وتمت دعوتي لزيارة هذا البلد الذي أحببته منذ طفولتي، في العام 2018، وتمّ استقبالاً رسمياً وشعبياً، من قبل مدير مكتب الرئيس برزاني والسفير الفلسطيني، إضافة إلى المثقفين والفنانين والشعب الكردستاني”.
وتتابع حسناء: “لقد حظيت باهتمام كبير من وسائل الإعلام والفضائيات الكردستانية، وذلك لأنني أتكلم اللغة الكردستانية بطلاقة، ثم قمت بجولة للأماكن الأثرية والسياحية في كرستان، ومكثت فيها اثنا عشر يوماً، كانت أجمل أيام عشتها”.

حسناء ولغات أُخرى
لم يقتصر تعلم حسناء للغة الكردستانية، بل تعلمت كذلك اللغة الألمانية وهي في الصف الحادي عشر، كما تعلمت حالياً اللغة التركية، وتتقنها تماماً كالعربية لدرجة أن هاتفها وحاسوبها الشخصي عليهما اللغة التركية، كي تبقى متمكنة منها، ووصل طموح حسناء عمر لتعلم اللغة الفارسية كذلك، “فهي قريبة جداً من اللغة العربية”، كما أن لدى حسناء إلماماً بأساسيات اللغة السويدية أيضًا.
تقول حسناء: “إن تعلم اللغات أمر ممتع وجميل، خاصة أنني أتعلم لوحدي من خلال البرامج الموجودة على الشبكة العنكبوتية، ومن خلال تحدثي مع صديقاتي من الدول التي أتعلم لغاتها، لأن ممارسة اللغة مهمة جداً، من أجل إتقانها، وعدم نسيانها”.

هوايات حسناء..
وبرغم كل هذا التفوق والإصرار على النجاح، لا تنسى حسناء حصتها من هوايتها الجميلة مستثمرة حياتها بملء أوقات الفراغ بالعزف على الأورغ والمطالعة، كما أنها تتطمح بإكمال الماجستير بعد إنهاء البكالوريس.
وتؤكد حسناء في كلمة وجهتها لأصحاب الهمم أن “الإعاقة هي قضاء وقدر، علينا أن نرضى به، وأن نؤمن إيماناً تاماً بأنه بداية الحياة للعمل والاجتهاد والتفاني، وعلينا دوماً أن نثبت أنفسنا، وبأننا أقوى من كل المعيقات، وأن لا نفقد الأمل، ونسعى لتحقيق ذاتنا وأحلامنا، وبأننا أشخاص منتجون، ولسنا عالة على المجتمع”.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *