Connect with us

أقلام وأراء

نحو إلغاء منظومة القوانين الإسرائيلية العنصرية

بقلم: المحامي إبراهيم شعبان

تزخر الأدبيات الفلسطينية بمطالب كثيرة جدا منها سياسية ومنها اقتصادية ومنها عمرانية، سواء على الصعيد الدولي أو الإقليمي أو المحلي، ولكنها تخلو من مطلب هام وفريد يتمثل بإلغاء القوانين الإسرائيلية العنصرية البغيضة. قوانين ما فتئت تهدد مستقبل الشعب الفلسطيني بل تسلبه حقوقه القديمة وتقيم له عقبات تمنعه من استعمال وحيازة هذه الحقوق والإستمتاع بها.
تزعم إسرائيل أنها دولة قانون بل عاشقة له، لكن السؤال الهام والجوهري عن أي ” قانون ” تتحدث السلطة الإسرائيلية المحتلة. وكيف يكون القانون عادلا وأخلاقيا وحاميا للحقوق وليس سالبا لها وبموجب أي معيار وعلى اي اساس وعلى أية أرضية، وبخاصة أن كثيرا من القوانين من ناحية شكلية قد لبت المتطلبات، لكنها من ناحية موضوعية خرقت الحقوق الأساسية للأفراد وصادرت حقوقهم الإنسانية والمكتسبة اللصيقة بهم .
بشكل عام وفي جميع الدول حتى تكون قانونية، يجب ان يكون القانون عاما مجردا، صادرا عن السلطة التشريعية، مراعيا للمبادىء العامة في القانون، مثل حقوق الإنسان، المساواة، عدم التمييز، عدم الرجعية، البراءة في الأفراد، ولاية المحاكم المدنية في المنازعات، احترام الحقوق والحريات العامة، أحكام القانون الدستوري، رفض القانون العسكري وقانون الطوارىء وتدرج القواعد القانونية.
لو قمنا بإلقاء نظرة فاحصة على مجمل ” القوانين الإسرائيلية “، لوجدناها منظومة قوانين عنصرية، تقيم تفرقة تحكمية تمييزية بين العرب واليهود في جميع المجالات سواء نظريا أو عمليا. ولوجدنا أن هذه ” القوانين ” كانت سببا لبلاء ومعاناة الشعب الفلسطيني، على مدى سبعة عقود ونيف. كيف لا تكون كذلك، وهي تسلب حقوقا إنسانية وعينية ومالية من جسد المواطن الفلسطيني لوحده دون سواه.
حتى لا يكون الحديث في العموميات والتنظير، تعالوا بنا نشير ( فقط إشارة دونما شرح ) ” لقانون أملاك الغائبين ” سواء بعد عام 1948 وتحديدا في عام 1950 وبعد حرب حزيران في عام 1967. هذا القانون هو أس البلاء في الحقوق العينية الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من ملك وتصرف وحيازة وتأجير وتحكير ورهن. فجميع الإدعاءات الإسرائيلية الحاصلة حاليا والتي أسفرت عن مآسٍ في الشيخ جراح والبستان وبطن الهوى في سلوان وما كان قبل ذلك وما سيكون بعد ذلك، سيكون مصدرها قانون أملاك الغائبين. فهذا القانون الظالم الباغي والذي شكل مصدرا ( قانونيا ) لجميع المنازعات حول الملكبة أو الحيازة الفلسطينية، لا يمكن أن تسلم به محكمة منصفة محايدة عادلة في العالم أجمع. فهو ” قانون ” مزعوم يسلب الحق الفلسطيني وينكر حق التقادم، بل أخل بالوضع الموازي الذي قامت به الحكومة الأردنية من حماية لأملاك العدو بعد عام 1948.
ونسال هنا سؤالا واحدا: ماذا عن عقارات الفلسطينيين ومحلاتهم التجارية في القدس الغربية وكل أنحاء فلسطين؟ هل يمكن استرجاعها بصورة ما كليا أو جزئيا، رغم وضع اليد الظالمة الإسرائيلية وسلبها من أصحاب الحق الشرعي لها؟
حلال لهم حرام علينا، هذا ” قانون ” يناقض ويخرق حقوق الإنسان الأساسية مما يجعله عرضة للإلغاء لو كان هناك قضاء إلغاء حقيقي ومنصف، واستمراره اعتداء على منظومة العدالة والمساواة والقانون الطبيعي.
ولو أخذنا ” قانونا ” آخر حتى لا يقال ان الاختيار لقانون أملاك الغائبين كان متطرفا وشاذا، وأنه على سبيل الندرة وليس أمرا ممنهجا. دعونا نستذكر أنظمة الطوارىء البريطانية لعام 1945والتي غدت إسرائيلية ورفض إلغاؤها ليومنا هذا ، والتي بقيت سارية ليومنا هذا لقرابة سبعة عقود زمنية ونصف، والمستهدف بها
الشعب لفلسطيني لوحده دون سواه، بينما كان اليهود قد شكوا مر الشكوى من هذا القانون حينما تم سنه، وكان من أوائل تطبيقاته ( المحامي مئير شمغار ) الذي غدا فيما بعد رئيسا لمحكمة العدل العليا الإسرائيلية. ومن سخريات القدر أنه دافع عن أنظمة الطوارىء هو وأعضاء المحكمة الصهيونية العليا وقرروا أنه لا يمكن إلغائها إلا بتشريع مماثل متحدين المبادىء القانونية في الإلغاء.
أنظمة الطوارىء لعام 1945، تجيز بل تشرع الإبعاد والطرد من فلسطين، تشرع لهدم المنازل على رؤوس ساكنيها، تجيز وتشرع الإعتقال الإداري، تجيز وتشرع لمقابر الأرقام وعدم تسليم الجثامين ومقايضتهم، تجيز وتشرع منع التجول ومنع السفر وتقييد حرية التنقل، تجيز وتشرع كل الحواجز المنتشرة في الضفة الغربية والتي بلغ عددها أكثر من ستمائة حاجز، تجيز وتشرع منع لم شمل العائلات وتسجيل الأطفال في هويات والديهم، تجيز وتشرع تشكيل محاكم عسكرية ، تجيز وتشرع لوجود حكام عسكريين في الماطق المحتلة، بل وتقيم قانون بينات مخالف للقواعد العالمية من حيث الإعتقال وتمديد الإعتقال وسن الأطفال، وأمور لا تحصى. ومحكمتهم العليا لا تتطرق لشرعية هذا القانون بينما اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تقوض هذا القانون برمته وتجعله باطلا ولغوا. ولا يخفى أن هذا ” القانون ” قد شكل مصدرا للمعاناة الشديدة والعذاب للفلسطينيين على مر العقود السبعة، وما زالت المعاناة مستمرة ما دامت هذه ” القوانين ” مطبقة ومعمول بها.
قائمة طويلة عريضة من ” القوانين ” الإسرائيلية التي لا تخطر على بال عاقل، ولا على مفكر منصف، ولا على بال قاض نزيه محايد، بدأت بالصدور بعد الخامس عشر من أيار 1948، وما زالت تصدر مثل قانون القومية الذي يلغي حق الشعب الفلسطيني في ديار أبيه وأجداده وحقه في تقرير المصير رغم قرار 181 لعام 1947. مثل قانون التخطيط والبناء لعام 1968 والذي قيد البناء الفلسطيني سواء في الداخل أو في القدس العربية وحتى البناء في الضفة الغربية عبر أوامر عسكرية متلاحقة، وعدم توسيع حدود البلدات العربية التي تضاعف عدد سكانها عدة مرات، وفرض غرامات باهظة، واوامر هدم، تضيق بها كل صنوف البشر . حتى الأرض الفلسطينية السليبة، والتي حولت للكيرن كييمت بعد أن تم الإستيلاء عليها بكل الوسائل غير القانونية، تقرر تملكها لليهود حصرا، وحظر على الفلسطينيين تملكها أو استئجارها أو فلاحتها، في خطوة عنصرية فاضحة.
يقال أن هناك أكثر من عشرات ” القوانين ” العنصرية الإسرائيلية والتي تستهدف المواطن الفلسطيني سواء في الداخل الفلسطيني أو في القدس العربية المحتلة بعضها انتدابي بريطاني استبقتها السلطة الإسرائيلية من أجل تطبيقها على الشعب الفلسطيني، وبعضها سنته بعد عامي 1948 و 1967 من أجل محاصرة حقوق الشعب الفلسطيني، ولن يتم الدخول في تسميتها وتعدادها فهو أمر ينوء به هذا المقال.
هذا على الصعيد القانوني النظري، يضاف إليه التطبيق العملي السيء والمغرض لهذه القوانين، والمستهدف منها الشعب الفلسطيني. ولا أدل على ذلك ما حصل في عدة مدن فلسطينية من ملاحقة للشباب الفلسطيني مثل اللد وحيفا وعكا. ولو فحصت بمعيار قانوني صرف عالمي لالغيت هذه القوانين ولسحب منها الطابع القانوني وغدت إرادة جنرال أو محتل أو صاحب قوة عسكرية.
يجب أن تتكاتف الجهود القانونية والسياسية المحلية والعربية والإسلامية والإقليمية والأوروبية والأمريكية والدولية طلبا لإلغاء هذه القوانين العنصرية وفضحها وبيان تمييزها العنصري على الصعد كافة، فهي مصدر البلاء، وتناقض أبسط حقوق الإنسان والديموقراطية وسيادة القانون. هذا وجه مشروع بل مطالب به في المحافل الدولية ولا يرتب ضررا لمن يطالب به بل إنه مطلب مشروع وربطه باية مساعدة أوروبية أو أمريكية لدولة تطبق قوانين عنصرية وتمضي قدما بتطبيقها، كفانا خجلا وحياء. لنطلقها صيحة مدوية نحو إلغاء جميع القوانين العنصرية الإسرائيلية برمتها وإلى الأبد. ونقول للأصدقاء الشعب الفلسطيني، أن صديقك الحق هو الصديق الذي يقف إلى جانبك في الشدائد والمحن!


اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *