Connect with us

أقلام وأراء

ما بعد انتصار سيف القدس وهزيمة “حارس الأسوار”

بقلم: هاني المصري
الجزء الثاني…

حول أشكال النضال


أعادت انتفاضة عودة الوعي ووحدة الشعب الاعتبار للمقاومة بمختلف أشكالها، فهي مزجت بين المقاومة الشعبية والمسلحة، وأسقطت النظريات السابقة بعدم إمكانية الجمع بينهما، فقد تصاعدت الهبة في القدس إلى موجة انتفاضية بعد إطلاق الصواريخ، وعمت فلسطين كلها، وامتدت إلى العالم كله.
وهنا، يجب الحذر من الأصوات التي بدأت تطل برأسها بالحديث عن عدم وجود بديل عن المقاومة المسلحة أو المقاومة الشعبية، والتبخيس من أهمية المقاومة بكل أشكالها، خصوصًا المقاومة الشعبية، لأن التجربة الفلسطينية منذ مائة عام وأكثر أثبتت أهمية المقاومة الشعبية، التي هي الشكل الرئيسي في هذه المرحلة وحتى إشعار آخر، وهناك من الأصوات التي ترفض من حيث المبدأ المقاومة المسلحة رغم أن تاريخ الصراع أثبت أن الكفاح المسلح هو رافعة النهوض الوطني.
إن أشكال النضال تحددها طبيعة الصراع، وخصائصه، ومدى جذريته، وميزان القوى والآفاق المحتملة، ولا تحددها الرغبة وإسقاط الأماني على الواقع. وبما أن المشروع الصهيوني استعماري عنصري ويستخدم العنف بكل أشكاله، ويخوض صراعًا وجوديًا ضد الشعب الفلسطيني، ويستهدف إقامة “إسرائيل الكبرى”، وما يتطلبه ذلك من طرد الشعب الفلسطيني، ووضعه في معازل داخل وطنه، كما يظهر في مناطق (أ) و(ب) و(ج)، وفي خطط الضم الزاحف، والتهويد والأسرلة، وخطة “الإمارات السبع”، وتهجير الشعب إلى الخارج عبر خطط ضم مساحات من سيناء لقطاع غزة، و”الوطن البديل” في الأردن، والتوطين، وتهجير اللاجئين إلى بلدان لجوء جديدة.
ورغم أهمية الانتصار وأبعاده الإستراتبجية، لم يصبح الشعب والمقاومة، خصوصًا وحدهما من دون مشاركة عربية ووضع دولي ملائم، على أبواب زوال إسرائيل، ولا حتى على أبواب إنهاء الاحتلال، وهذا لن يحصل على المدى المباشر، وإنما أصبحنا إلى النصر أقرب، وأصبحت طريق النصر واضحة من خلال المقاومة بكل أشكالها، التي يُقرر بشأنها وفق الإستراتيحية الواحدة والقيادة الواحدة.
إن نقطة الضعف القاتلة أن انتفاضة سيف القدس بكل أبعادها لم توحد القيادة والسلطة، وإنما وحدت الشعب والأرض والقضية، وإذا استمر الحال على ما هو عليه فهو يهدد استمرارية الموجة الانتفاضية أو تجددها بسرعة، ويقضي على إمكانية استثمارها والبناء عليها.

خيارات الفلسطينيين

هناك من قفز بسرعة وقال إن ما جرى يغير كل شيء، ولم يميز بين التغيير في الوعي والإرادة والفكر والتغيير في الواقع، ويعيدنا بخفة إلى شعارات تحرير فلسطين والعودة ورفض الحلول المرحلية، وكأن الحل النهائي على الأبواب ويمكن تحقيقه بضربة واحدة.
وما جرى ينعش دعاة الدولة الواحدة على أساس أن حل الدولتين مات، وكأنّ حل الدولة الواحدة الديمقراطية ممكن وليس أبعد،

أو الدعوة إلى الحقوق المتساوية بالجمع أو من دون الجمع بينها وبين الدولة الواحدة والدولة الفلسطينية المستقلة.
قبل الانتفاضة واستنادًا إلى الحقوق الطبيعية والتاريخية والقانونية وإلى الرواية التاريخية الفلسطينية، فلسطين للفلسطينيين، وهذا معطى سابق وثابت قبل اندلاع الانتفاضة الأخيرة، والفلسطينيون يناضلون من أجل تحريرها لإقامة دولة ديمقراطية على كل فلسطين كحل نهائي. وبعد الانتفاضة ما زالت فلسطين للفلسطينيين، أما الجديد فهو أن الأمل بالانتصار أكبر، وموعد الانتصار بات أقرب، وهذا لا يلغي الخبرة المستفادة والواقع المعاش والتعامل مع السياسة باعتبارها فن تحقيق أقصى الممكنات في كل مرحلة من دون التخلي عن الأهداف البعيدة والأحلام الكبيرة.
قبل الانتفاضة وبعدها ليس مطروحًا فورًا إمكانية إنهاء الاحتلال وتجسيد دولة فلسطين، وليس مطروحًا إقامة دولة ديمقراطية واحدة، وإنما دولة واحدة تسيطر على فلسطين من البحر إلى النهر وفق أنظمة مختلفة، حيث فلسطينيو الداخل مواطنون من الدرجة الثانية وعليهم واجب النضال ضد العنصرية وتحقيق المساواة، وفلسطينيو القدس مقيمون رغم ضم القدس لإسرائيل وواجبهم دحر مخططات الضم والتهديد والأسرلة والتطهير العرقي، وبقية الشعب في الضفة وغزة تحت الاحتلال، وواجبه العمل على إنهاء الاحتلال وتحرير الضفة واستكمال تحرير غزة، بينما واجب شعبنا اللاجئ والمشرد في خارج فلسطين النضال من أجل حق العودة وبقية حقوقه والحفاظ على هويته الوطنية، وهذا الواقع لن يتغير بتغيير الشعار، وإنما بوضع رؤية وطنية شاملة جامعة تنطلق من الواقع وتسعى لتغييره، وتنبثق عنها إستراتيجيات مناسبة لكل تجمع، على أساس النضال لتغيير موازين القوى بكل أشكال النضال التي تحدد في كل مرحلة بما يلائمها، ولكل تجمع وفق ظروفه وخصائصه.
تأتي خطورة طرح مسألة الحقوق المتساوية كبديل عن الدولة المعترف بها من الأمم المتحدة ومن 140 دولة من أنها تخدم عمليًا – بغض النظر عن النوايا – من يروج لعدم الالتزام بما جاء في الشرعية الدولية حول ضرورة إنهاء الاحتلال، وكل ما أقامه من استعمار استيطاني وحقائق وتغيير غير شرعي ولا قانوني في الواقع في عموم الأرض المحتلة. ليس هناك ما يمنع تبني خطاب الحقوق ولكن ليس بديلًا من خطاب الحرية والاستقلال الوطني والعودة والمساواة على طريق تحقيق الحل الديمقراطي الجذري النهائي، الذي يحتاج إلى نضال أطول وأعمق، وتغيير نوعي وتاريخي في ميزان القوى وفي أوضاع المنطقة والعالم.

سيناريوهات محتملة

أصبح الشعب الفلسطيني وقضيته ونضاله بعد المعركة الأخيرة في وضع أفضل من دون أدنى شك، ولكن هل سيتم البناء عليه أو إهداره؟ هذا يتوقف على ما ستفعله القوى الفلسطينية المختلفة القديمة والجديدة، خصوصًا النافذة، بشكل منفرد أو بشكل جماعي. وهناك سيناريوهات عدة:
السيناريو الأول: أن يتعمق الانقسام ويتفاقم نتيجة الخلافات حول الخيارات، وأن هناك مستفيدًا ومتضررًا مما جرى، بحيث لا يريد الطرف الذي بات أضعف أن يحقق وحدة وهو ضعيف بينما رفضها وهو في وضع أفضل كونه لا يريد شركاء في السلطة والمنظمة، ولا يريد الطرف الذي انتصر أن يُغلّب المصلحة الوطنية على مصالحه الفئوية.
وفي هذا السيناريو سيزيد ارتباط السلطة بالاحتلال والأطراف الخارجية التي ستصبح مصدر شرعيتها الرئيسية، ويفتح الباب لاستئناف مسيرة سياسية تهدف إلى إجراء مفاوضات لا أفق لها سوى إضاعة الوقت وإدارة الصراع لا حله وتأييد الأمر الواقع.
كما سيتعزز ضمن هذا السيناريو خيار دويلة في غزة، خصوصًا إذا وجدت “حماس” أنها يمكن أن تكون خطوة على طريق الدولة في الضفة والقطاع، أو على طريق تحرير فلسطين، وبهذا تقع في فخ الاعتقاد بأن الانقسام نعمة، وكأن المطروح فقط وحدة على حساب الحقوق والمقاومة وليس من أجلهما كما يجب أن يكون.
السيناريو الثاني: أن تعود محاولات المصالحة وفق الطريقة السابقة؛ حوار واتفاق ثنائي، تباركه بقية الفصائل، يدير الانقسام ولا ينهيه، وهذا سيئ أيضًا، ولا يجب تجريب المجرب للمرة العاشرة، وهذا ممكن أن يتحقق من خلال تشكيل حكومة وفاق أو وحدة وطنية تحافظ على الانقسام، وتوفر غطاء له، وسرعان ما تنهار بعد فترة تطول أو تقصر، ولكنها ستكون قصيرة على الأغلب.
السيناريو الثالث: تبلور جبهة معارضة واسعة تشكل أغلبية سياسية وشعبية تناضل من أجل تغيير المسار، وإنهاء أوسلو والتزاماته، وتطرح ضرورة شراكة حقيقية لكل مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية على أساس برنامج وطني كفاحي وديمقراطية توافقية، ضمن رزمة شاملة تتضمن العمل على تغيير السلطة لتكون سلطة خدمية، ونقل الدور السياسي كله للمنظمة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية بعيدًا عن شروط الرباعية، وإعادة بناء وتشكيل مؤسسات منظمة التحرير، بدءًا بالمجلس الوطني، لكي تمثل المنظمة الفلسطينيين قولًا وفعلًا.
وإلى حين إجراء الانتخابات فقط بعد إنهاء الانقسام وتوحيد مؤسسات السلطتين، خصوصًا الأجهزة الأمنية، وتوحيد الأجنحة العسكرية للمقاومة في جيش وطني واحد كما صرّح الأخ يحيى السنوار سابقًا، أو الاتفاق على مرجعية وطنية للمقاومة، يتم تشكيل قيادة مؤقتة تقود المرحلة الانتقالية، التي لا يجب ألا تزيد على عام بعد الاتفاق الوطني، بشرط عدم المساس بشرعية المنظمة ومؤسساتها.
وهذا السيناريو بحاجة حتى يتحقق إلى تعميق الطابع الوطني لحركة حماس، وإيمانها بالشراكة، وابتعادها عن المحاور، وتغليب المصالح الوطنية على مصالحها ومصالح الإخوان المسلمين.
السيناريو الرابع: بقاء الوضع على حاله انتظارًا لحدوث تطورات جديدة، وهذا سيئ أيضًا، لأنه يترك المصير الفلسطيني أسير الانتظار القاتل والمجهول الغامض والمفتوح على كل الاحتمالات.
هل تُغلّب الأطراف الفلسطينية المصلحة الوطنية على المصالح الفردية، وتغلب الوحدة والبناء على ما تحقق، وتقتنع مرة واحدة وإلى الأبد أن الأمر الحاسم ليس الاعتراف بها كلاعب أساسي أو لاعبين فلسطينيين أساسيين، وإنما الاعتراف بالحقوق الفلسطينية؟
نأمل ألا تقع “حماس” في الحفرة التي وقعت فيها منظمة التحرير حين غلّبت في أوسلو الاعتراف بالمنظمة على الاعتراف بالحقوق، على أساس أن هذه تقود إلى تلك، فعلى العكس إن الاعتراف بالحقوق هو الذي يقود إلى الاعتراف بمن يمثلها.
إن الجزرة التي يتم التلويح بها حاليًا هي الاعتراف بـ”حماس”، والتفاوض معها بشكل غير مباشر، ليتم بعد ذلك الاعتراف بها كممثل للفلسطينيين إذا قدّمت شروط الولاء والطاعة. وسيتم استخدام الحصار والانقسام والمعاناة الناجمة عن العدوان وإعلاء دور السلطة وإعادة الإعمار لتحقيق هذا الغرض … فحذار حذار.
من حق شعبنا الحي المقاوم الصامد أن ينتصر، لذا لا بد من العمل لكي لا يذهب انتصاره العظيم هدرًا، مثلما حصل بعد الانتفاضة الأولى التي انتهت إلى أوسلو المشؤوم، والانتفاضة الثانية التي انتهت إلى ما هو أسوأ من أوسلو من خلال تأبيد سلطة الحكم الذاتي والتزاماتها من دون عملية سياسية ولا أفق سياسي. ولا نريد أن تنتهي انتفاضة سيف القدس والأقصى وعودة الوعي ووحدة الشعب إلى انفصال، ومزيد من الشرذمة والصراع الداخلي المفتوح بين دويلة غزة وسلطة الحكم الذاتي التي يراد لها أن تكون أبدية.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *