Connect with us

أقلام وأراء

هل سنرى قريباً العلم الإسرائيلي يرفرف في الرياض؟

د. نواف عبيد

 في سابقة فريدة، رأينا راية المملكة العربية السعودية تجاور الراية الإسرائيلية، ورفرف العلمان معًا في العديد من المنصات الإخبارية الإلكترونية ومواقع الأنباء حول العالم منذ عقد ما يسمى بـ “الاتفاقية الإبراهيمية” في الصيف المنصرم. وقد أثار ذلك العديد من التكهنات والأسئلة التي تطرح نفسها بإلحاح، ومنها بل أهمها: هل سيترجم هذا المشهد الافتراضي والجديد على أرض الواقع؟  وهل سترفع الراية الإسرائيلية في ربوع الحي الدبلوماسي بمدينة الرياض؟ وهل سنشهد تأسيس سفارة سعودية في قلب القدس؟ يبدو -على الرغم من كثرة الجعجعة الإعلامية-  إن ما هذا إلا حلماً بعيداً!


تمخضت الصفقة التي تزعمتها إدارة الرئيس الأمريكي ترامب عن حثّ دولتين عربيتين بارزتين -وهما دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين- نحو تطبيع العلاقات مع دولة إسرائيل مقابل تجميد مؤقت للاستيطان والاستحواذ على مناطق تابعة للضفة الغربية الفلسطينية. وقد أعطت هذه الصفقة بصيص أمل في السلام الذي كانت منطقة الشرق الأوسط بانتظاره وبأشد الحاجة إليه بعد أعوام مريرة من الحروب والاضطرابات.

وبدون تقديم أي تنازلات واضحة أو ملموسة، تمكنت إسرائيل من أن تقتنص اعتراف أربع دول عربية إقليمية -بدل عن اثنتين. وترتب على ذلك حصول الإمارات العربية المتحدة – ضمن صفقة جانبية – على منظومة تسليح أمريكية ما كانت لتتم لولا “الاتفاقية الإبراهيمية”.  وأما مملكة البحرين، فقد حصلت على مساعدات اقتصادية معتبرة، في حين استفادت السودان من الصفقة بشطبها من قائمة الإرهاب الأمريكية، وكسبت المغرب اعتراف الولايات الأمريكية المتحدة بسيادتها على الصحراء الغربية. لكن السؤال المهم، ماذا عن فلسطين؟

المتابع لأوضاع المنطقة ولطريقة إدارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعرف انه من أبرز السياسيين المحتقرين، ويعد الأكثر إثارة للحفيظة والجدل في العالم العربي- وربما العالمبأسره – ويُنظَر إلى سياسة نتنياهو على أنها تجهض كل أمل في الوصول إلى خطة سلام صالحة وممكنة بالفعل.  والأكثر لفتًا للانتباه هو أن استمرار عدوان إسرائيل الحالي وانتهاكاتها ضمن حدود أراضي فلسطين المحتلة من جهة، وردود أفعال الدول العربية الأربع من جهة أخرى يكشف لنا مفارقة وتناقضا. فلو كانت هذه المساعي الإسرائيلية خالصة النوايا كما ظهر في بادئ الأمر، لأخذت إسرائيل موقفًا مغايرًا بإلغاء سياساتها المدمرة في المنطقة.  كذلك، لا يمكن للجانب العربي الصمت إزاء ما يحصل من عدوان وانتهاكات، لاسيما بالنظر إلى عمق العداء الذي تكنّه الشعوب العربية والمسلمة تجاه الكيان الإسرائيلي.

وينبغي ألا ننسى تاريخا مهما، وبالتحديد عام 2002، عندما أطلق ولي عهد المملكة العربية السعودية آنذاك الأمير عبدالله بن عبدالعزيز مبادرة للسلام، لكنه أكد في الوقت نفسه وبوضوح أن المملكة لن تعترف بإسرائيل كدولةً إلا بعد أن تلتزم بحدودها عام 1967، وايضاً الاعتراف بدولة فلسطينية تكون القدس الشرقية عاصمة لها.  وقد أسس هذا الموقف السعودي الجلي ما ينبغي أن تكون عليه المبادرة العربية للسلام.  ولا ريب أن هذه المبادرة شكلت منعطفا تاريخيا كونها الآلية الوحيدة التي يمكن من خلالها عقد اتفاقية سلام شاملة ودائمة بين إسرائيل والعالم العربي والإسلامي. ورغم أن “الاتفاقية الإبراهيمية” يمكن اعتبارها خطوة ـ وإن صغرت ـ في الاتجاه الصحيح، إلا أنها بعيدة عن أسس المبادرة العربية للسلام.

هذا ولا يخفى بأن الشجاعة والحكمة البالغتين اللتين مكنتا ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من تحريك المياه الراكدة والتواصل مع أطراف النزاع (بما فيهم الجانب الإسرائيلي) تولدت عنهما مساع جديرة بالثناء والتقدير، وقد يكتب لهذه المساعي أن تغير وجه القضية الفلسطينية، إلا أنه فضل عدم المضي قدما في هذا الاتجاه في هذه المرحلة.  إن الأمير محمد بن سلمان على دراية تامة بأن قسمًا لا يستهان به من العالم العربي لا يزال يرزح تحت الفقر والفساد، وأن عالمنا الحديث -الذي تقوده الإنتاجية والابتكار- يحتاج لأجل ريادة القرار نهضة تنموية واقتصادية تقلل الاعتماد على النفط ومشتقاته. وللتحرر من هذه المعضلة، فلا بد للحكام العرب أن يتنبّهوا لأهمية ضبط الأولويات تجاه تطوير وتنويع اقتصاد دولهم والاهتمام بالتنمية والتطوير، وعدم التذرع بالصراع الأزلي بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. 

من الناحية النظرية قد يرى البعض بأن ولي العهد السعودي قد يسعى نحو التطبيع مع إسرائيل، إلا أنه يعي تمامًا خطورة تبني سياسة مصيرية مثل الاعتراف بالدولة الاسرائيلية في الظروف الراهنة وما يترتب عليه من نتائج.  إن أمرًا كهذا – لو حصل – ستكون له آثار كبيرة ليس فقط على المملكة العربية السعودية -أغنى الدول العربية وصاحبة المكانة المحورية في الأمة الإسلامية كونها حاضنة الحرمين الشريفين – بل ستترتب عليه أمور أخرى لا تحمد عقباها تعمّ العالم العربي والإسلامي بأسره.  وبغض النظر عن الشعبية الواسعة التي يحظى بها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إلا أن العداء لإسرائيل وسياساتها العنصرية التوسعية لا يزال متجذرا في وعي المواطن العربي عموما وبخاصة في المؤسسات الدينية. فمنذ إعلان “الاتفاقية الإبراهيمية” والشارع العربي في دوامة من التعجب والامتعاض تجاه السبب الغامض الذي يقود العرب إلى مكافأة إسرائيل.

إن الأغلبية الساحقة في السعودية وخارجها تتشبث بالإعلان التاريخي للملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز، والذي أكد فيه بأن “المملكة العربية السعودية ستكون آخر دولة مسلمة تعترف بكيان إسرائيل!”، وهذا الموقف التاريخي لا يمكن أن يغيب عن الحسبان. ومما يعلم ولا يقال أحياناً أن المتطرفين الإسلاميين ذوي المواقف السالفة المشهودة بالعنف في المملكة لن يزيدهم قرار التطبيع إلا غضبا ونفورا من القيادة السعودية، حيث أن مثل هذه الخطوة تعد في نظرهم تخلياً عن القيم الإسلامية وهجراً للمواقف السعودية العريقة والمتوارثة تجاه القضية الفلسطينية. وعليه، فإن القيادة السعودية ستكون حذرة للغاية من تبني أي سياسة تخلق ثغرة بينهم والشعب السعودي وتزعزع مركز المملكة بصفتها دولة قيادية ومحورية في العالمين العربي والإسلامي. 

ينبغي ألا نغفل أن باب التطبيع قد فتح، ولا يمكن سده أو رأبه، كما أن من المهم أن نتذكر جيدًا بأن الاعتراف السعودي  (إن حدث) سيكون مشروطاً بحصول الفلسطينيين على دولة ذات سيادة كاملة.  حتمًا لا زال أمامنا الكثير والكثير قبل أن تكتسب القيادة دعم الشعب السعودي في هذا الملف بالخصوص، وهي مهمة أقرب للمستحيل في الواقع الحالي وفي دولة محافظة مثل السعودية.  ولن يتحقق شيء في هذا المجال إلا بعد جولات لا متناهية من النقاشات والمداولات بين القيادة السعودية وشعبها عن منافع ومضار قرار كهذا، ولئن أراد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أن يأخذ بأيدي الشعب السعودي نحو الاعتراف بإسرائيل، فسيكون ذلك من خلال استخدام أداة التطبيع كنقطة ضغط لتغيير مصير الشعب الفلسطيني، وهذا أمر بعيد في ظل السياسات الاسرائيلية الحالية. إن هذه المهمة لو كانت ممكنة، فلا أجدر ولا أكفأ عليها من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان آل سعود بما يملكه من شعبية وحكمة وشجاعة.

د. نواف عبيد مستشار سابق للحكومة السعودية من 2002 إلى 2015، وهو أستاذ في قسم دراسات الحرب في كنجس كوليج جامعة لندن. 

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *