Connect with us

فلسطين

الأرض دونها الموت في “العقبة”

سامي صادق لـ”القدس”: لن نسمح بنكبة جديدة

طوباس- تقرير خاص بـ”القدس” دوت كوم- علي سمودي- “تجرعنا ويلات النكبات والنكسات بكل أشكالها، وتعرضنا لكل صنوف القمع والعقاب والانتقام، لكن لم ولن نغادر أرضنا، فكل ذرة تراب مجبولة بعرق الأجداد ودماء أهلنا الذين يؤكدون أن الأغوار فلسطينية”، بهذه الكلمات، استهل الجريح الحاج سامي صادق، رئيس مجلس قروي العقبة في الأغوار الشمالية، حديثه لـ”القدس”، حيث يستمر الاحتلال باستهدافها لتنفيذ مخطط التطهير العرقي وانتزاع سكانها أصحاب الحق الشرعيين الذين بدأت رحلة معاناتهم منذ نكسة حزبران عام 1967 التي عايشها وشاهد بعضاً من أحداثها.


وعلى رغم أنه لم يكن يتجاوز سن الثانية عشرة آنذاك، لا تزال ذاكرته تحتفظ بالصور التي لن ينساها أبداً، ويقول: “يوم النكسة وإعلان سقوط البلاد، شاهدت الحزن والألم بين عائلتي وفي أوساط الناس الذين لم يصدقوا أن الجيوش العربية التي وعدتهم بالنصر المؤزر خذلتهم وفرطت بما تبقى من فلسطين، لكننا نحن أصحاب الأرض والحق، سنبقى صامدين نحمي وندافع عن أرضنا كما أوصانا والدي”.

ويضيف: “التهديدات بالضم ونهب ما تبقى من الأغوار أو أي جزء من فلسطين لن ترهبنا، فقد عانينا
الكثير خلال معركتنا المستمرة في الأغوار وغيرها من وطننا، ارتكبوا المجازر وهدموا المنازل والخيام، يطاردوننا ليل نهار، لكن مؤامرة اقتلاعنا لن تمر ما دام فلسطيني على قيد الحياة”.

نبذة عن حياته
في عام 1955، ولد الحاج سامي في قرية “العقبة”، لعائلة فلاحة مرتبطة بالارض، فوالده كان يملك “أرض النور والخيرات”، كما يعبر، التي تساعدت كل العائلة في رعايتها، ويقول: “تنحدر أصول عائلتي من العقبة، ووالدي كان يملك أرضاً ورثها عن أجداده وحتى اليوم ما زلنا نحتفظ بالقواشين والأوراق الثبوتية ، قضى حياته بزراعتها بالقمح والشعير والبيكا ، وقد علمني واشقائي على زراعة الارض، فكنت ووالدتي وأشقائي الاثنين وثلاث شقيقات، نساعده في كل الأعمال”.


امتلك والده ألف رأس من الغنم، ومنذ طفولته تقاسم صادق مع أفراد عائلته رعايتها وحراستها، إضافةً إلى زراعة الأرض وقطف المحاصيل التي يوزعها ويبيعها والده لتعيش العائلة حياة كريمة.

ويتابع: “الحياة في قريتنا تميزت بالمحبة والألفة والمودة والتعاون بين الناس، وعلى رغم بساطتها عاش الجميع حياة سعيدة، وقد كنا عائلة محافظة على العادات والتقاليد والأرض حتى توفي والدي وهو يوصينا بالحفاظ عليها وحمايتها وعدم التفريط بها أبداً”.

الحرب والنكسة
يروي الحاج سامي أن الحياة تغيرت في قريته في بداية شهر حزيران عام 1967، عندما سمع الأهالي عبر المذياع من إذاعة “صوت العرب” خبر اندلاع الحرب بين الجيوش العربية وجيش الاحتلال الإسرائيلي، ويقول: “في البداية، شاهدت الفرحة والغبطة الكبيرتين بين الناس، عندما سمعت المذيع في “صوت العرب” يعلن أن الجيوش العربية، المصرية والسورية والأردنية، بدأت حرب التحرير وتتقدم إلى المناطق التي احتلتها اسرائيل في نكبة عام 1948″.

ويضيف: “الجميع بدأ يُكَبّر بفرحة، بعدما أُعلن اندلاع الحرب، فالأغاني الوطنية والمارشات العسكرية والخطب الرنانة التي لم تتوقف عبر اذاعة صوت العرب، أشعرت الجميع بقرب الانتصار والخلاص من عار النكبة، لكن بعد أيام فقط عمت أجواء الحزن والرعب، عندما تبين أن الجيوش العربية لم تتقدم أو تنتصر، ولن أنسى دموع الناس بعدما علموا بسيطرة الاحتلال على جميع أراضي فلسطين، بما فيها الأغوار والقدس وغزة والجولان السوري”.

صور وذكريات
قبل وصول دبابات الاحتلال إلى الأغوار، يقول الحاج سامي: “كنا في أرضنا مع والدي نواصل رعايتها عندما اندلعت الحرب، وشاهدت سقوط بعض القذائف في الأراضي الزراعية، ما أدى إلى اشتعال النيران واندلاع الحرائق في عشرات الدونمات، فعدنا للقرية مذعورين، لنفاجأ بحالة الرعب والذعر التي انتشرت بعد سماع أخبار النكسة، وخوف الناس من تكرار ما حدث في نكبة عام 1948”.

ويضيف: “مما زاد من حالة القلق رؤيتنا العشرات من العائلات البدوية التي تعيش في بيوت الشعر في عدة مناطق بالأغوار، تترك كل شيء وتفر نحو منطقة الكرامة هرباً نحو الأردن، فبدأ أهالي العقبة، يستعدون للهرب والنجاة قبل وصول الاحتلال للمنطقة”.

النزوج والهرب
يقول الحاج سامي: “إعلان النكسة أثار الهلع والذعر في كل مكان، ولن أنسى صدمتنا ونحن نشاهد توافد الكثير من النازحين والهاربين من الحرب من أبناء شعبنا من الخليل ونابلس وطولكرم وقلقيلية وجنين، حملوا القليل من متاعهم وأغنامهم وأبقارهم”.

ويضيف: “غصت الجبال والسهول والأغوار بالنازحين وهم يهرولون بسرعة عبر الأغوار نحو الأراضي الأردنية، في الوقت نفسه، كانت طائرات الاحتلال تحلق في سماء المنطقة على ارتفاع منخفض، ما زاد حالة الرعب لدى الجميع تخوفاً من تعرضهم للقصف، لكننا أدركنا لاحقاً أن ذلك جزء من الخطة الاسرائيلية لتشريد شعبنا وتفريغ الارض ليتمكن الاحتلال من فرض سيطرته عليها بسهولة”.

ويتابع: “قبل إعلان النكسة، كان شقيقي عبد المنعم صادق صبيح وأعمامي وعدد من أبناء القرية يقاتلون مع الجيش الأردني، لكنهم فور انسحابهم غادروا معهم واستقروا في الأردن حتى اليوم”.

احتلال الأغوار
في تلك اللحظات، يقول الحاج سامي: “خرجت عائلتي مع عدة عائلات من العقبة للفرار إلى الأردن، لكن اكتشفنا أننا تأخرنا، فقد شاهدنا دبابات الاحتلال تقطع طريقنا من جهة بيسان ومنطقة الأغوار؛ بردلة والمالح وعين البيضاء التي سيطرت عليها بالكامل”.

ويضيف: “عدنا إلى منزلنا الذي يقع في المنطقة التي كنا نعمل فيها والقريبة من المالح شرقي العقبة، كنا في حالة صدمة كبيرة من هول المناظر، فقد احتلت الأغوار مجموعة صغيرة من الدبابات التي دخلت من جهة بيسان وخلال زمن قياسي فرضت سيطرتها على المنطقة بشكل كامل”.

ويكمل: “عندما استقرت الأمور، عدنا لمنزلنا في العقبة، واكملنا حياتنا مع العائلات التي عادت بعد النكسة، وبدأت رحلة معاناتنا وصراعنا اليومي مع الاحتلال الذي استغل النكسة والعوامل المختلفة لفرض هيمنته ووجوده في الأغوار”.

آثار النكسة
على صعيد عائلته، يوضح الحاج سامي أن الاحتلال صادر أراضي تملكها في منطقة خلة “البد”، وحوّلها إلى منطقة عسكرية مغلقة تستخدم للرماية للدبابات وطائرات الهيلوكبتر، ويقول: “فقدنا أرضنا التي نملكها ولا نزال نحتفظ بأوراقها الثبوتية، لكن الاحتلال يرفض التخلي عنها، وهو المصير نفسه الذي واجهه العشرات من المواطنين في الأغوار، فقد صادر الاحتلال مئات الدونمات وسلم اضعافها للمستوطنين”.

ويضيف: “بشكل تدريجي، حوَّل الاحتلال جزءاً كبيراً من الأراضي إلى مناطق عسكرية مغلقة، وأقام فيها معسكرات تدريب، وأصبحت رهينة سيطرته وأحكامه العسكرية التي دفع ثمنها أصحاب الأرض الشرعيون”.

حصار العقبة
لموقعها الاستراتيجي في عمق الأغوار، وصمود أهلها وتحديهم، حاصر الاحتلال قرية العقبة، ويقول الحاج سامي: “منذ اليوم الأول للنكسة، نعيش كل صور المعاناة في ظل مضايقات وضغوط الاحتلال لتشريدنا وطردنا، فقد حاصر قريتنا بثلاثة معسكرات تدريبية، وعانينا الكثير من مضايقاتهم وتدريباتهم”.

ويوضح: “المناورات اليومية أدت إلى ارتقاء 16 شهيداً، وإصابة 50 مواطناً، كما دمرت الأراضي والمحاصيل، إضافة إلى ملاحقة الرعاة وطردهم، بذريعة أن أراضي العقبة منطقة “ج”، وهي منطقة عسكرية مغلقة”.

ويتابع: “منعنا الاحتلال من التوسع والبناء، هدم ودمر وطاردنا في لقمة عيشنا، وكل يوم نعيش نكسة جديدة بأشكال وصور متعددة، لكن لن نتخلى عن أرضنا، وسنبقى صامدين بأمل تحرير فلسطين والخلاص من المآسي والنكسات وإقامة دولتنا وعاصمتها القدس إن شاء الله”.

جرح وتحدٍّ
بعد النكسة، تابع والد الحاج سامي العمل في ما نجا من أرضه من المصادرة في حين أكمل الطالب سامي تعليمه في مدارس قرية تياسير بمحافظة طوباس لغاية الصف الثاني الإعدادي.

ويقول: “في عام 1971، تعرضت للإصابة بثلاثة أعيرة نارية من جنود الاحتلال، اثنتين منها في الصدر، والثالثة ما زالت مستقرة قرب القلب، نجوتُ من الموت بأعجوبة، لكن أصبحتُ أُعاني من إعاقة وشلل كاملين”.

ويضيف: “رب العالمين كتب لي حياة جديدة ، وأكملتُ علاجي وتجاوزت صدمة إعاقتي، التحقت بعدة دورات وتعلمت اللغتين العبرية والانجليزية، وكان النجاح حليفي في كل خطوة، عملت في عدة وظائف حتى قدوم السلطة الوطنية وتسلمت رئاسة مجلس قروي العقبة حتى اليوم”.

ويستطرد صادق: “رصاص الاحتلال زرع في جسدي جرحاً لا يزال ينزف، لكنه لم يقيد إرادتي وعزيمتي، فما زلت على الكرسي المتحرك أُكمل رسالتي وواجبي في قيادة حملة حماية العقبة والأغوار والدفاع عن هويتها الفلسطينية”.

ويتابع: “رصاصهم قد يعيق ويدمر، لكننا سنبقى نخوض معركة البقاء والحرية حتى تعود الأغوار وكل فلسطين حرة عربية، والجيل الحالي لن يسمح بتكرار النكبة أو النكسة”.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *