Connect with us

أقلام وأراء

عن الدولة ثنائية القومية مجدداً

بقلم: الدكتور نظام صلاحات*

مثلت هيب الشعب الفلسطيني الاخيرة – التي شملت تقريباً جميع اماكن تواجد الفلسطينيين على ارض فلسطين الانتدابية – حالة غير مسبوقة تستدعي التأمل مجدداً في جذور الصراع القائم في فلسطين ومستقبله. ولعل احد ابرز الجوانب الملهمة في هذا الحدث التاريخي عير المسبوق هو اعادة فكرة الدولة ثنائية القومية الى الواجهة كبديل اكثر واقعية مما يسمى بحل الدولتين.
حتى اللحظة، وعلى خلاف ما تقدمه التجليات على ارض الواقع، يتم تداول حل الدولتين باعتباره الحل الواقعي للقضية الفلسطينية، استناداً الى الإدعاء التقليدي بأن هذا الحل هو الذي يؤمن نهاية مستدامة للصراع، من خلال تجسيد القوميتين الفلسطينية و “اليهودية” في دولتين مستقلتين لهما حدود منفصلة، ولهما سيادتان منفصلتان، ولهما اقتصادان قوميان منفصلان، و لهما، بالتاكيد، سرديتان تاريخيتان منفصلتان، اي ذاكرتان جماعيتان منفصلتان. وكما هو معروف، لم يبق طرح الدولتين اسير الفكرة بل انتقل الى التجسيد الواقعي منذ توقيع اتفاقية اوسلو عام 1993، التي افضت الى تأسيس السلطة الفلسطينية في المناطق المحتلة عام 1967، وبدء مفاوضات ثنائية على هذا الاساس، والتي مثل قرار الامم المتحدة 242 مرجعية قانونية لها.
لكن، وكما هو معروف ايضاً، فإن فكرة حل الدولتين وخلال الثلاثين عاماً الاخيرة التي تلت ولادتها، بدأت تتضاءل وتتلاشى واقعياً، مع تعميق الاستيطان، وتعميق نظام الفصل العنصري في فلسطين، وتهويد القدس، و حصار قطاع غزة، مما فسح المجال أمام احياء افكار وطروحات اخرى مثل حل الدولة الواحدة و الدولة ثنائية القومية. وأمام ذلك كله، هل يمكن اعادة طرح فكرة الدولة ثنائية القومية كحل واقعي ومستدام ممكن فعلاً؟
في واقع الامر ان الترويج للدولة ثنائية القومية في فلسطين في ظل وجود هذا النمط النادر من الدولة في العالم، هو بحد ذاته امر صعب، خاصة ان النماذج القليلة المتوفرة من هذا النوع مثل كندا و بلجيكا لم تقدم نمطاً مستقراً، ولا زالت تحمل جذور التوتر القومي، فيما لا زال ينظر الى النموذج السويسري باعتباره نموذجاً صعب التكرار، نتيجة للتاريخ القديم والمتجذر من التعايش بين المجموعات الناطقة بالفرنسية و الالمانية و الايطالية و اللاتينية الرومانشية. اذن عالم اليوم هو عالم تزدهر فيه الدولة القومية باعتبارها النمط الشائع و المقبول، و القادر على تحقيق الاستقرار الداخلي بل واعتبارها اساساً لاستقرار النظام الدولي. وفي عالم كهذا، يصبح القول بالدولة ثنائية القومية في فلسطين مسألة غير مطروحة، خاصة أن الامر يتعلق بقوميتين متضادتين في جوهرهما لدرجة الاعتقاد أن تجسيد كل قومية منهما يعني الالغاء الفعلي لوجود القومية الاخرى ولقدرتها على التعبير عن نفسها من خلال مبدأي السيادة وتقرير المصير الذي قامت عليه الدولة القومية الحديثة.
من ناحية اخرى فإن المتأمل لتاريخ القضية الفلسطينية، وللواقع القائم على الاقل منذ عام 1967، يجد أن هذا الواقع يتجه نحو الدولة ثنائية القومية: فحتى كتابة هذه السطور يحمل كل مولود فلسطيني في غزة رقماً متسلسلاً صادراً عن دولة الاحتلال، مثله مثل اي مولود فلسطيني اخر في الضفة الغربية او القدس او الناصرة أو حيفا، أو مثله مثل اي مولود يهودي في مستوطنات الضفة الغربية او في تل ابيب او الخضيرة. اذن اسرائيل لا تسيطر فقط على ارض فلسطين، بل وايضاً، تسيطر على السكان الذين يعيشون على تلك الارض، وإن كانت طرق هذه السيطرة مختلفة بين مجموعة واخرى، وإن كانت هناك قوانين مختلفة تحكم كل مجموعة سكانية، سواء كانت تلك المجموعة فلسطينية في الضفة أو في غزة أو في القدس أو في الداخل، وإن كانت تلك القوانين قد صممت لصناعة دولة الفصل العنصري اليهودية، لكن ما يجمع تلك القوانين انها قوانين صادرة عن دولة واحدة تطبقها على انماط مختلفة من السّكان، وهي في النهاية قادرة على ان تتحكم في حياة سكانها جميعاً من حيث مأكلهم ومشربهم و عملهم و حركتهم، كما تفعل اي دولة اخرى. في فلسطين الانتدابية تحكم اسرائيل قوميتين مختلفتين، القومية اليهودية التي تحكم نفسها بنمط ديمقراطي وتسخر لها كل موارد فلسطين تقريباً، والقومية العربية التي اما تقع تحت حكم ذاتي في الضفة أو في غزة، أو أولئك الذين يحملون بطاقات هوية زرقاء وتتاح لهم بعض مميزات المواطنة في اسرائيل، وان مورس بحقهم العنصرية و التهميش و الاهمال.
ظاهرياً، تبدو ملامح الدولة ثنائية القومية واضحة للزائر المتجول في كل انحاء فلسطين التاريخية، فناهيك عن التداخل السكاني بين اليهود و العرب، يتم تداول العملة الاسرائيلية، المسكوكة باللغتين العربية و العبرية، في جميع فلسطين الانتدابية، وتكتب باللغتين اللافتات الارشادية للطرق وعلى لافتات المحلات التجارية حتى تلك التي يملكها الفلسطينيون وتقع على طرق تجارية يمر منها اسرائيليون او حتى مستوطنون يهود، وتجدها في تدفق العمال و البضائع وحتى السياح و المتسوقون بين اسرائيل و الضفة الغربية أو حتى من قطاع غزة. اذن، فعلياً، هنالك قوميتان تعيشان تحت دولة واحدة هي دولة الاحتلال الاسرائيلي.
فشل الدولة القومية على ارض فلسطين
اذا كانت فكرة حل الدولتين قد تلخصت في دولة فلسطين التي تعيش الى جانب دولة اسرائيل هي الحل الذي يدعي العالم أنه الحل الواقعي الممكن، فإن النظرة المتمعنة للواقع تعني ان هذا الطرح مجرد وهم لا يمكن بيعه لأحد، ولا يمكن ان يكون أملاً لأجيال المستقبل. والمتمعن في واقع الحال لا يجد ان الأزمة هي فقط في تضاؤل احتمالية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة و ذات السيادة، بل ايضاً في بقاء اسرائيل كدولة قومية لليهود كما يطالبون. فعلى جانب المتراس الفلسطيني، تجد ان اكثر الطروحات اقترابا من المطالب الفلسطينية لم يفض فعلياً الى دولة فلسطينية قومية بل الى كيان ممزق وضعيف وغير مسلّح، فكيف بطروحات مثل التي تقدمها صفقة القرن، او ما قد يوافق عليه اليمين الاستيطاني؟ لم يغير تأسيس الكيانية الفلسطينية بناءاً على اتفاق اوسلو و المتمثلة بالسلطة الفلسطينية والأجهزة الامنية من واقع الدولة ثنائية القومية، ولم يقرب الفلسطينيين بوصة واحدة من مفهوم الدولة الفلسطينية المستقلة. فالوطن الفلسطيني المفترض هو عبارة عن جزر مجزأة بالمستوطنات اليهودية و الطرق الالتفافية، والقدس الشرقية التي تجري الان عليها ومن اجلها ملحمة فلسطينية غير مشهودة، لا زالت بعيدة المنال ان يحصل عليها الفلسطينيون على اية طاولة تفاوض، بل وربما وصلت المدينة فعلياً الى واقع لا يمكن ان تكون قابلة فيها للتقسيم. أما قطاع غزة الذي ترى فيه اسرائيل و المؤثرين من الأنظمة العربية مستقبلاً ممكناً لكيانية فلسطينية، أو عمقاً عملياً لكيانية فلسطينية، فهو لا يحمل وحده التاريخ و الجغرافيا الفلسطينية ولا يحمل وحده الامل والرواية الفلسطينية، ولا يحمل وحده الاقتصاد الواعد و لا يعبر وحده عن حلم ملايين اللاجئين المشردين. واذا نظر الناظر الى خرائط صفقة القرن، فهو لن يرى دولة فلسطينية، ولن يرى حتى شبه دولة، بل سيرى دولة ثنائية القومية بمسمى دولة مستقلة. هذا عن الاقليم والحدود، أما عن الاقتصاد القومي المنتظر فحدث ولا حرج، من فقدان الفلسطينيين لاراضيهم الزراعية، ومن اعتمادهم على العمالة الاقتصادية في اسرائيل، وفقدانهم حقهم في الوصول الى المياه والموارد اللازمة لوجود مستدام لاي كيان قومي.
اما عن الدولة اليهودية المستقبلية، فهي غير موجودة الان، ولن توجد في المستقبل ما دامت تسيطر على حوالي مليوني فلسطيني يحملون الجنسية الاسرائيلية فيما تبسط سيطرتها وتمتع بنعيمها اكثر من مليون ونصف مستوطن يهودي في اراضي الدولة الفلسطينية المفترضة. منذ عام 1948 اعتقد الفلسطينيون في الداخل، والذين لم يربو عددهم على 600 الف فلسطيني انهم سيتمتعون بالمساواة في الدولة العبرية، وان تمثيلهم بعد 20 عاماً على النكبة في المؤسسة التشريعية الاسرائيلية هو جواز السفر لنيل المساواة، لكنهم وهو الان يقتربون من المليونين، يجدون انفسهم غرباء، مهمشون، و مهملون، لصالح الدولة العنصرية اليهودية. الخوف والغربة داخل الوطن هي التي تعاقبت على شعب اصبح يخشى التحدث بالعربية بصوت مرتفع داخل كيان ينظر لهم انهم أعداء وينظرون له انه عدو. الان ينظرون الى المستقبل بحالة من اللايقين حيث تتفشى في اوساطهم الجريمة و العنف، و ارهاب شبيحة المستوطنين الذي لم تتوانى الدولة عن جلبهم لارهابهم وحرق منازلهم ومصالحهم. وفي الوقت نفسه تعمقت في داخلهم الهوية العربية الفلسطينية، فهم اكثر فخراً بهذه الهوية وأكثر انتماءاً لها و اكثر قدرة على التعبير عنها.
مستقبل النضال من أجل الدولة الثنائية
على عكس ما قد يفترض البعض أن فكرة حل الدولتين قد استلهمت من قرار التقسيم المعروف الذي وضعته بريطانيا الانتدابية عام 1949، بل إن هذا القرار أو الخطة – كما هو اسمها- هي التي تؤسس للدولة ثنائية القومية، بل ويمكن الرجوع لهذا الخطة كاساس واقعي وتشريعي من أجل تحقيق فكرة الدولة ثنائية القومية. ان اعادة التدقيق بخطة التقسيم تظهر بوضوح أن الدولة العربية و الدولة اليهودية المقترحتين لا تتمتعان بسيادة كاملة بل تربطهما علاقات من الكونفدرالية الاقتصادية و التعاون الأمني، وكيف ان الدولتين محكومتان بشروط وضوابط تمنع انتقال الاراضي و السكان بين الدولتين، وتتيح العدالة في توزيع الموارد و الوصول لها. لعل هذه كلها تكون افكاراً ملهمة في عالم اليوم تستند عليها حركات فلسطينية أو حتى يهودية تناضل من اجل المساواة ومن أجل تأسيس عصر جديد يقوم على فكرة الدولة ثنائية القومية، حيث يمكن ان تتعايش القوميتان على هذا الاساس دون اجحاف بالحقوق وبالرواية الوطنية وبالهوية القومية لكل منهما.
*استاذ العلوم الأمنية – جامعة الاستقلال


اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *