Connect with us

أقلام وأراء

على من تقع مسؤولية رعاية أطفال غزة؟


القدس-منير الغول-في كل حرب يعيشها مواطنو غزة فانهم يواجهون صدمات نفسية عنيفة تضاف الى الضائقة الشديدة التي يعانون منها اقتصاديا واجتماعيا وعدم توفر عاملي الأمن والاستقرار ويخرجون من المولد بلا حمص فلا أب لديهم يعتني بهم بشكل حقيقي ويقف على احتياجاتهم الاساسية والسؤال الذي يطرح نفسه هنا :من سيأخذ على عاتقه مسؤولية حماية مواطني غزة وفتح الآفاق أمام أبنائهم ليعيشوا بحرية وكرامة بعيدا عن الضغوطات العصبية الحادة التي تؤرقهم…وبمعنى آخر من سيكون أب مواطني غزة في هذه المرحلة؟


ان المسؤولية الرئيسية هنا تلقى على عاتق القيادات والمسؤولين في القطاع للتصدي لهذه الحرب النفسية والضغط باستمرار نحو انتزاع قرارات تؤمن العيش الكريم لاهل غزة وتوفر بيئة اجتماعية مناسبة تهتم باطفال غزة وتمنحهم الضوء الاخضر لاطلاق مهاراتهم بحثا عن انجاز او نجاح يضمنوا من خلاله ولوج منصات التفوق ومجاراة العالم بالنظر الى العقل المبدع والمنتج الذي يتهدده خطر الاضطراب وحرب الاعصاب


نخصص قراءتنا اليوم لموضوع مهم ورئيسي يلقي بظلاله على أطفال وشباب غزة ليس خلال الحرب فحسب وانما بعد الحرب أيضا وان صح التعبير بين حرب وأخرى قادمة لا محالة وبينهما مساحة من القلق والرعب والخوف لا تنتهي على الاطلاق..


ان النزاع طويل الأمد في الحرب التي تخوضها اسرائيل على قطاع غزة ينشر كثيرا من الاضطراب والصدمات بين صفوف الاطفال والمراهقين في القطاع وقد اثبتت العديد من الدراسات والتحليلات التي اجريت على شرائح كبيرة من الاطفال وطلاب المدارس في غزة حقيقة لا مفر منها وهي أن معظم أطفال القطاع يعيشون منذ أول حرب في حالات اضطراب تسمى ما بعد الصدمة وذلك نظرا لحالات القلق والتوتر التي يسببها العدوان الاسرائيلي الكبير والمكثف المرتبط بقذائف صاروخية من الجو وقصف مدفعي من البر والبحر مما يتسبب بسقوط عشرات الضحايا جلهم من الاطفال والسيدات اضافة لهدم العديد من المباني والمرافق وعليه يعيش جل أطفال غزة تحت واقع الصدمة .


وفي الوقت الذي يعيش فيه الاطفال تحت ظروف العنف السياسي والارهاب الذي تمارسه اسرائيل والمرتبط بهدم المنازل والتعرض لعائلات بأكملها وقتل عدد من ابنائها أو جلها فان الأطفال الآخرين يشعرون حتما بعدم الأمان ويتغير أداؤهم اليومي في مجمل مجالات الحياة بسبب الأحداث الصادمة التي يتعرضون لها ومعظم الاطفال ممن هم دون 15 عاما والذين ولدوا بعد حرب عام 2006 نشأوا في ظروف العنف السياسي وتعرضوا حتما لعواقب تنموية ضارة وتأثيرات نفسية شديدة يمكنها أن تؤدي الى أعراض نفسية.


ونظرا لأن الأطفال لا يعيشون بمعزل عن الآخرين ويتشكلون من خلال عائلاتهم فان النظرة البيئية يجب أن تسلط على واقع الاطفال في غزة فمعظمهم ينمو ويتطور في بيئة فقيرة تؤثر هي الأخرى على سلوكياتهم حتما إضافة للخصائص الفردية للأطفال مثل الجنس والعمر والنظام الأسري بما يشمل حجم الأسرة ووضعها الاجتماعي والاقتصادي وهذا السياق مهم جدا لفهم طبيعة التطور في ظل الاضطرابات النفسية حيث أثبتت الدراسات أن عدم وضوح الرؤية وغياب أي بارقة أمل لمستقبل هؤلاء الأطفال الذي تهددهم اسرائيل نفسيا وهم على مقاعد دراستهم أو في ملاعب الكرة يبحثون عن تنمية مهاراتهم أو في المساجد يسيرون على هدي رسالتهم الدينية سيؤثر كثيرا على سياق تفكيرهم ويجعله محصورا في الحروب والدمار والتفكير فقط في كيفية تحصيل قوت العيش والغذاء وسط حصار خانق إقتصادي واجتماعي وسياسي .


ونظرا لتقدم شباب غزة بالسن والذين كانوا قد عاشوا الحروب السابقة من 2006 حتى آخر حرب قبل الحرب الحالية فان النتائج المتعلقة بالعمر بالاستناد على الاقامة والحالة الاجتماعية والاقتصادية أظهرت أن الأطفال الأكبر سنا يظهرون أعراض اضطراب ما بعد الصدمات أكثر من الأطفال الأصغر سنا بالنظر الى عدد الحروب التي عاشوها وهذا المدلول يعني أنه كلما تقدم الأطفال في السن زادت عليهم الضغوطات لأن أبواب المستقبل وبارقة الأمل معدومة فالظروف ستفرض عليهم العيش مرارا وتكرارا في دوامة الحروب المتوالية والمتكررة .


ومع كثرة الحروب التي شنتها اسرائيل على الفلسطينيين بدءا من حرب عام 1948 مرورا بحرب 1967 وتهجير معظمهم الى دول مجاورة ليعيشوا فيها لاجئين والتطورات السلبية التي أعقبت كل انتفاضة في غزة والضفة والقدس وكل عدوان جديد علي قطاع غزة فإن نسبة كبيرة جدا من الأطفال الفلسطينيين في مختلف اماكن تواجدهم يعيشون هم الآخرين ظروف ما بعد الصدمات من خلال تكرار الحروب ومظاهر الانتفاضة التي تأتي كرد فعل على ممارسات اسرائيل.


إن وجود دراسات قليلة جدا حول آثار التعرض للصدمات بعد الحروب وخلالها على الأطفال في قطاع غزة تفرض على المجتمع الدولي وهيئات حقوق الانسان والمنظمات الاممية الى تغيير نظرتها الى قطاع غزة كما أن على قيادة غزة أخذ موضوع التأثيرات والصدمات النفسية على أبناء قطاع غزة وخصوصا الاطفال صغار السن والمراهقين على محمل الجد ومد يد العون لدراسة الحالات النفسية الصعبة التي يعيش في ظلها أطفال غزة وتوفير طواقم للارشاد والتأهيل تقوم بدراسة واقع الحياة بعد الحروب في القطاع وخصوصا لهذه الشريحة المهمة وتقوم برفع نتائج هذه الدراسات والتحليلات الى المعنيين لمعرفة كيفية التعامل مع الواقع النفسي الصادم في قطاع غزة.


يفرض الواقع هذه الأيام وبشكل ملح ووفقا لاجراءات اخلاقية تمنح فيها وزارة التربية والتعليم وأولياء الأمور الاذن لجهات مختصة كي تدخل الى غزة وتجري استبيانات علمية لرصد المواقف الصادمة المبنية على نتائج الحرب وآثارها المدمرة إضافة لرصد واقع المعيشة لهؤلاء الاطفال بالنظر الى حجم العائلة وطبيعة السكن ومستوى التعليم ووظيفة الوالدين والمواطنة(لاجىء أو ليس لاجىء) ودخل الاسرة وغيرها من الامور التي تساعد في رصد دقيق لمجمل ظروف الحياة لهؤلاء الاطفال لتقديم تقييم حقيقي وواقعي يتم تبني نتائجه من قبل الهيئات الأممية والانسانية التي يتوجب عليها أن تساعد غزة وتنتشلها من هذا البحر الكبير من الصدمات الذي يعيشه الأطفال والذي لا يمكن أن ينتهي بنهاية حرب وانما يتواصل ويؤثر على نظام حياة الأطفال وينقلهم الى واقع ممزق ومهترىء نفسيا واجتماعيا وسياسيا.


بعد الحصول على كافة الاستبيانات تتضح المعايير التشخيصية لرصد الواقع وتقديم الحلول التدريجية للأطفال ومحاولة توفير أسباب العيش الكريم أمامهم وفتح آفاق العمل أمام الأكبر سنا منها وحث الفئة الأصغر على مواظبة الالتزام بالدراسة لما لها من تأثير ايجابي على الأطفال في مجال تعزيز سلوكياتهم وتنميتهم في محاولات للتغلب على التوتر العصبي وأعراض الخلل الوظيفي الأكاديمي وعدم التركيز في الدراسة إضافة لفتح المرافق الترفيهية وصالات الرياضة وشواطىء البحر والمنتديات أمام أحلام هؤلاء الطفال لمساعدتهم على التخلص من تجارب الصدمة المتتالية جراء الحروب المستمرة والمتواصلة على القطاع.


ان الهدف من اثارة هذا الموضوع الحساس هو التحقيق في انتشار صدمات الحروب واضطراباتها في صفوف الاطفال والمراهقين ومثلما حصلت دراسات سابقة خصوصا في حرب 2012 فاننا نحتاج لمزيد من الدراسات هذه الأيام باستخدام معايير تشخيص دقيقة للتعرف على واقع الصدمات والتوتر ورصد مؤشراتها وتجلياتها وسلبياتها ومحاولة البناء عليها لتخليص المراهقين والاطفال قدر الامكان من تأثيراتها .


عندما يتعرض طفل في أي دولة من دول العالم الى حادث أو صدمة بعد موقف معين فانه يعاني كثيرا نتيجة للتوتر والقلق الذي يتسرب الى نفسيته وعقله ووجدانه فما بالكم اذا كان الحديث في غزة عن صدمة تلو الأخرى فبعض الاطفال فقدوا أولياء أمورهم وأطفال آخرون تم انتشالهم اشلاء أمام أنظار أشقائهم وأصدقائهم الصغار فأي تأثير هذا الذي يجعل طفلا صغيرا يفقد كل أركان بيئته وكل أحبته الذين يعشق لعب الكرة معهم في الساحات والشوارع ،هؤلاء الذين كانوا يسرون يدا بيد الى المدارس والملاعب والساحات يفرقهم القدر وصواريخ الحرب الاسرائيلية.


إن استمرار الحروب وقصف المنازل والبيوت والمنشآت والتعرض لكل ما هو حي في قطاع غزة لا شك أنه يسبب أعراضا وخيمة تؤثر باستمرار على الادراك والمزاج لأطفال غزة الأمر الذي يؤدي باستمرار لانتشار اضطراب ما بعد الصدمات الذي يرافق الاطفال ويؤثر عليهم دوما مقارنة بأعمارهم ورغم ذلك يشعر أطفال فلسطين وقطاع غزة وخصوصا الفئة الأكبر سنا أن من حقهم المشاركة في الانشطة المجتمعية مع باقي شرائح المجتمع بكل كبرياء ولكن التغيرات البيولوجية والعاطفية تلعب دورها وتحد باستمرار من امكانية تخليص الأطفال من هذه الترسبات الخطيرة جدا.


في الختام لا يمكننا تقليص نسبة هذه الآثار الصادمة دون ايقاف الحروب الى الأبد ومنح أهل غزة فرصة العيش الآمن بسلام وصحة وعافية وتبدو الطريق طويلة جدا للوصول الى هذا الهدف ومن هنا نطالب بالحاح بالعمل والتدخل بشكل سريع من أجل مستقبل أطفال وشباب غزة وهذه مسؤولية يتشارك بها الجميع ،القيادة في غزة والهيئات الدولية والاممية ومنظمات حقوق الانسان وهيئات ومؤسسات الطفولة…أطفال غزة أمانة في أعناقنا فلا تتركوهم يطاردون أوهام السراب في الشوارع فهل يكون لهم آب يرعاهم ويقدم عن طيب خاطر مسؤوليته الاجتماعية نحوهم؟

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *