Connect with us

أقلام وأراء

معاني النكبة وسؤالها الثقافي

بقلم: المتوكل طه


النكبة هي اقتلاع شعب وطرده من أرضه بالقوة، ولكنها أيضاً إحلال شعب مكان آخر. إن هذه الكلمات على مباشرتها وبساطتها وإمكانية فهمها، هي ببساطة أيضاً جريمة إنسانية بكامل المعاني والمفاهيم والمعايير. ولأن النكبة حدثت أو وقعت في التاريخ، أي يمكن رصدها وتوثيقها، أو لأنها حدثت دون ضجيج، أو لأنها حدثت ثم تَمّ استيعابها من العالم، أو لأنها حدثت دون أن تتحوّل إلى حدث فريد في التاريخ، أو لأن العالم الغربي الاستعماري نظر إلى ما حدث باعتباره جزءاً من العقيدة والسلوك الأبيض الاستعماري، فإن النكبة بهذا المعنى، تحوّلت بقدرة قادر إلى قضية إنسانية وفرّغت من معانيها الكارثية والأخلاقية، تحولت النكبة في عرف المستعمِر – على أنواعه – إلى مشكلة جوعى وعراة، ولهذا أو لأن هذا كذلك، فقد تمّ تفريغ قرار 194 من مضامينه كلها، وتحولت الحقوق إلى مصالح، واستبدلت المبادىء بترجمتها، وبدلاً عن الحديث عن جماعة ذات حقوق لا يمكن الانتقاص منها صار الحديث يجري عن تنفيذ الممكن منها، وهذا “الممكن” عادة ما يضيق ويقل كلما تقدمنا في الزمن . المستعمِر عادة ما لا يؤمن بالمطلق، والمستعمِر عادة ما يضيق بالقوانين الثابتة. المستعمِر ظرفيّ واستثنائي، ولهذا فهو يبحث عن الظرفي والاستثنائي دائماً في كل شيء.
والنكبة التي لحقت بالشعب الفلسطيني العام 1948هي الذروة لعصر الاستعمار الاوروبي الكلاسيكي الذي انحسر في القارات الخمس بعد الحرب العالمية الثانية، وكانت إسرائيل التي قامت في نهاية تلك الحرب هي نتاج انقلاب التاريخ وانعطافه. في انقلابات التاريخ وانعطافاته الدراماتيكية تظهر شعوب جديدة ودول جديدة وافكار جديدة. الحرب العالمية الثانية التي انهت الاستعمار الأبيض الأوروبي القديم بشكل أو بآخر، كانت هي المسرح السياسي والعقدي الذي استغلته الحركة الصهيونية ومَن يدعمها علناً وسرّاً، اقليمياً ودولياً، لتقيم لها وطناً على حساب الشعب الفلسطيني وعلى حساب أرضه ووجوده وإنجازاته وجذوره وثقافته، وهكذا كانت النكبة في معناها البسيط والمباشر، الاقتلاع والطرد ومن ثم الإحلال.
والنكبة هي “إسرائيل” التي قامت على أرضنا، ومعها كل ذلك الإرث الاستعماري الأبيض، لا يمكن للصهيونية إن تنكر كونها إرثاً استعمارياً أبيض، الصهيونية التي تحاول الادّعاء أنها ثورة على الاستعمار والكراهية والفوبيا والتمييز وعُقَد المرض والتوهّم. هي ببساطة جزء من هذه المنظومة التي سقطت ذات يوم، المستعمِر يسقط لانه يتآكل من الداخل، ولإنه يخسر دائماً، ولأنه لا يستطيع توليف حكايته كل يوم ومن ثم يجد مبرراتها ومسوغاتها، الاحتلال بقدر قابليته للسقوط والتآكل بقدر كونه مكلفاً ليس لمن يقع عليهم الاحتلال وإنما لأولئك الذين يقومون بفعل الإحتلال، ومن هنا كان الاحتلال آيلاً للسقوط دائماً، مزعزع الأركان دائماً، لا يجد ولا يمكن أن يجد راحة أو أمناً أو طمأنينة، حتى تلك الأنواع من الإحتلالات التي كانت في أراضٍ بعيدة وشعوب بدائية. إن تلك الدوافع التي أهابت بالرئيس الامريكي كارتر ومن ثم كلينتون لاستقبال ممثلي الهنود الحمر في البيت الابيض هي ذات الدوافع التي نرصدها في نفس أي لص مهما بلغ ذلك اللص من مواقع أو إنجازات. لا يمكن قتل الحقائق. ولا يمكن الإلتفاف عليها، ولا يمكن تزييفها، نحن هنا نتحدث عن قوانين وليس مجرد تمنيّات او تخمينات.
النكبة هي الخيانة أيضاً، إن درس النكبة من نواحيها المختلفة، ومن مصادر مختلفة، ومن وجهات نظر مختلفة، تفزعنا تماماً كما حدثت أول مرة، لقد حدثت النكبة ليس لأن الصهاينة كانوا أقوى أو أكثر عدداً أو أحسن تجهيزاً أو أدقّ خططاً وتخطيطاً، بالعكس من ذلك تماماً، كانوا أضعف منا، وأقل عدداً، وأكثر خوفاً، وأكثر فرقة، وهذا الكلام لا نقوله بدون إثبات أو برهان، لنقرأ ما كتبه مؤرّخوهم عن تلك الفترة، وسترى العجب العجاب، ستجد أن النخبة العربية، النخبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية كانت نخبة مريضة ومشوّهة مرتبطة، كانت نخبة عميلة، بأقسى ما في الكلمة من معنى. الجيوش السبعة التي قيل إنها قاتلت على أرض فلسطين لم تُقاتل الصهاينة ولم تتصدّ للهجاناه أبداً، الجيوش السبعة كانت تترصد بعضها البعض، وتنفذ سياسات متشككة ومتوجسة، كانت الجيوش السبعة تعبيراً عن انقسام العالم العربي وتعدد اتجاهاته، ولهذا لم يكن من العجب أن لا يسقط من تلك الجيوش مجتمعة اكثر من 650 شهيداً، نحن هنا لا نتحدث عن الجماهير التي كانت على استعداد لفعل العجائب – وبالمناسبة فإن القادة العرب في تلك الاثناء طلبوا من الشعب الفلسطيني إن لا يشارك في ما أسموه بالعمليات، وذلك من أجل تحييد تلك الجماهير، تحييد الجماهير ظلّ تكتيكاً متبعاً في الحروب العربية باستثناء العدوان الثلاثي على مصر العام 1956 – نحن هنا نتحدث عن النخبة المعطوبة التي لم تستطع أن تحتمل التاريخ ولا انعطافه. كانت النكبة بهذا المعنى، هي الخيانة. في بعض الأحيان أرى أن الهزيمة هي خيانة بشكل من الأشكال.
والنكبة حلقة من حلقات الغزو الغربي الاستعماري الصليبي، اذ لا يمكنني أن أفصل بين موجات الغزو الإفرنجي وبين موجة الاستعمار الصهيوني على بلادنا، الصهاينة هم غرب، هم علمانيون، هم متدينون، يأخذون دعمهم من الغرب ويتلقّون أموالهم وعتادهم من الغرب، والغرب لا ينتقدهم ولا يخالفهم ولا يعارضهم ولا يحرجهم. الصهاينة بهذا المعنى هم غرب استعماري صليبي ليس إلا، ولأن ذلك كذلك، فإن الصهيونية تفعل ما فعلته كل موجة من موجات الغزو السابق، لقد بنت الصهيونية أسوارها وسياجاتها وأبراجها وأشهرت أسلحتها وطردت واقتلعت وصادرت واحتقرت، تماماً ككل مستعمر غازِ غريب. إن النكبة – وخاصة أنها تتعلق بأرض فلسطين – تعني أنها حققت – ولو بشكل جزئي – ما فشلت به الحروب الصليبية ومن ثم الاستعمار الأوروبي التقليدي، وبقول قد يبدو فيه تجرؤ وتعجّل، فإن النكبة هي هدية الغرب الأخيرة للمنطقة وشعوبها ودينها وتاريخها. إن قيام إسرائيل – بما في ذلك من استثارة للنبؤات والمشاعر الدينية – يعني تحقيق الوعد والنبؤة ونهاية التاريخ. ولماذا لا تكون إسرائيل الجديدة إشارة على نهاية التاريخ ؟!
النكبة تعني وقف التطور الطبيعي للشعب الفلسطيني ومن ثم تشويهه وتشريده، وتحويله من شعب كان يمكن أن يفعل المعجزات على أرضه، إلى شعب من المُلاحقين والجوعى والمشبوهين في منافيهم القريبة والبعيدة، تحوّل الشعب الفلسطيني في معظمه إلى أفراد بلا هويات وبلا روابط، تحولوا فجأةً إلى لاجئين، إن وضع “لاجىء” وضع لا إنساني، ولا طبيعي، ولا حقيقي أيضاً. إن وضع “لاجىء” الذي أصبح وصفاً للفلسطيني يعني أن الفلسطينيين عليهم إن يطوّروا مجتمعاً آخر في الهواء، وبين الفراغات، وبين الأسيجة وتحت الخيام، ومن ثم في مدن الأحزمة الفقيرة، وفي الإزدحام والفقر والظلم، ولم يكن من المستغرب أن يصطدم المخيم بما حوله من عواصم أو مدن. لا يمكن تطوير هوية ومجتمع في الفراغ، أو في الهواء، أو بين الأسيجة، ولا يمكن تطوير أو تطور مجتمع تحت الحصار وتحت الملاحقة وتحت الشبهة ودائرتها. النكبة تعني أن الشعب الفلسطيني كان عليه أن يبدأ من الصفر، وأن يعيد تشكيل ذاته في أماكن متعددة، وكان عليه أن يرمّم هذه الصورة من مختلف الأمكنة، ذات الشعب الفلسطيني وهويته اصبحت – بسبب النكبة ليس إلا – ذاتاً متعددة وهوية تتأثر بالزمان والمكان. إن الرابط الوحيد الآن بين كل الفلسطينيين هو فلسطين فقط، ذلك أن المنفى ليس مجرد نزهة وليس مجرد إقامة مؤقتة، المنفى له بصمات، وله ضغوط، وله قدرة على إعادة التشكيل في بعض الاحيان، بناء المنفى يعيد تشكيل فلسطين ذاتها. إن فلسطين التي يحلم بها فلسطينيو لبنان غير تلك التي يحلم بها فلسطينيو الضفة والقطاع إلى حدٍ كيبر.
النكبة هي المنفى القاسي الفارم الذي يجعل من الوطن خيالاً أندلسياً كاملاً أو يقدمه بطريقة أخرى. المنفى ليس سهلاً، وليس مجرد مكان. إنه ثقافة.
والنكبة هي النضال، هي حركة التحرر الوطني، وهي الَقَدر الذي يتحمّله أبناء الشعب الفلسطيني في أن يقاتلوا الاحتلال وأن يطردوه وأن يعيدوا الأمور إلى نصابها. إن صراعاً وصل عامه المئة هذه اأيام يعني أن الإحتلال ليس مجرد تغيير سلطات، وإنما هو الموت الزؤام.
النكبة أيضاً فضيحة العالم الأخلاقية وجرح الكون النازف، الدال على انتفاء العدالة الأرضية، وفشل ما يُسمّى بالمجتمع الدولي في حل القضية لمدة تزيد على اثنين وسبعين عاماً، وعدم قدرة الليبرالية الغربية في حل الإشكال لأنها أي هذه الليبرالية – جزء من المشكلة وليس جزءاً من الحل، أو لأنها سبب المشكلة. بكلمة أخرى، إن النكبة بحد ذاتها دليل على مدى العطب الذي يلحق ويميز هذه الليبرالية، وفي مدخل آخر، فإن هذه الليبرالية لا يمكن لها أن تُسوق لنا أفكارها النيّرة او المتنّورة! فالليبرالية كاذبة ومخادعة ومنافقة، ولا يمكن أبداً اعتبار أن العالم يصل إلى ذروته الأخلاقية والسياسة معتمداً على هذه الليبرالية، وبهذا لم يخطىء فقط هيجل ولكن فوكوياما أيضاً، كلاهما اعتقد أن الليبرالية الغربية كفيلة بتحقيق السعادة والعدالة والاكتفاء، وكلاهما لم يرَ الجانب الأسود والقبيح لهذه الليبرالية. الأول رأى ذلك يتحقق في نابليون وبروسيا الذي أراد استعمار بلادنا والثاني رآها في الولايات المتحدة التي تريد أَن تحكم العالم وتضبطه .
والنكبة هي أيضاً دليل عجز النظام العربي ودليل فشله ودليل انقسامه وتفتته، عندما تضيع فلسطين عادةً ما تكون البلاد العربية وجماهيرها في أسوأ الحالات، وعندما تُستعاد فلسطين عادةً ما يرافق ذلك تغييرات عميقة تجري على مستوى النخبة والقاعدة، هكذا تعلمنا الدروس الماضية. ضياع فلسطين وإعادتها عملية صعبة وطويلة ومريرة، تدخل فيها الأنظمة والشعوب في أتون من مجريات التاريخ يتم فيها خروج الخبث وبقاء ما ينفع الناس ، ولهذا فإن النكبة التي حلّت بالشعب الفلسطيني هي دليل الخراب والفشل وغياب العلم وانعدام الإيمان.


ونسأل ؛ هل استطاع العربُ تحويلَ أكبر مَظْلمَة تاريخية، وأعظم كارثة حلّت بالشعب الفلسطيني، إلى ذُخْرٍ نفسي لا ينتهي، ومُلك أخلاقي يدينون به العالم كله؟!
وَهل حوّلنا كارثة الطرد والإبعاد إلى حادثٍ كوني يُؤَرَّخ به لبداية جديدة ؟! أم أن هذه النكبة كانت ذروة حملة غربية استعمارية جديدة بدأت في بداية القرن التاسع عشر، ولم تنته حتى هذه اللحظات ؟! وبكلمات أشدّ وضوحاً وأكثر إيلاماً، ألم تكن النكبة ومن ثم سقوط القدس والنكسة ذروة انتصارالغرب وفكره وآلته وجنده علينا نحن العرب والمسلمين ؟!
هذه الحملة الجديدة التي استفادت من كل الحملات السابقة، لم تستعمل الحديد فقط، إنما استعملت المنهج الفكري والادبي أيضا ،من اجل إقناعنا بأنّ تاريخنا مجرد حروب عشائر، وأنّ حضارتنا مجرد رحلة أخروية ، وأنّ مساهمتنا في التاريخ البشري ليس إلا مساهمة المترجمين والنقلة . حملة أرادت وما زالت تريد أن تقنعنا بتفاهة تاريخنا وهامشيته وعدم حضوره ، وهي حملة ما زالت تريد تلقيننا، ليس المنهج فقط، وإنما استخلاصاته أيضا ً.
وتحت هذا المدخل، نعيد السؤال: هل استطعنا الاحتفال والاحتفاء بالنكبة على مستوى الخطاب الثقافي؟ ، وهل نقلنا هذه الكارثة من تاريخيتها إلى وجدانيتها، ومن محليتها الى عالميتها، أو من ظروفها السياسية الى أَبعادها الكونية؟! هل عمّمناها على الوعي لتتحول الى نُدبة أخلاقية في جبين الضمير الانساني الصامت؟! وأخيراً هل اعترف العالم بذلك ؟! أم أنّ العَالَم لا يعترف للمهزوم حتى بممتلكاته الروحية والوجدانية ؟! وهل الضعيف لايملك حتى إقناع نفسه بحزنه ودموعه ؟!
إنّ خطابنا الثقافي العربي والإسلامي مدعوّ إلى تأبيد هذه الكارثة، لأنّ طرد الشعب الفلسطيني من أرضه واحتلال بيت مقدسه كان وما يزال يعني موت تاريخ وبداية تاريخ آخر. وفي كل مرة كانت تسقط فيها القدسُ بيد غازٍ أو مغامر او مجنون، يتغير التاريخ ويتغير مسار الحضارة ، إذن فهذه كارثة سرمدية ! وإن ذهاب خطابنا الثقافي الى مناطق العتمة والعبث والتغريب والتطبيع.. معناه طمس الحادث الأهم والكارثة الأعظم . وإذا كان خطابنا الثقافي اليوم يفتعل الحروب ويختلق الاصطفافات، ويؤلّف أوهاماً أو حقائق ليبرالية وأصولية، أو دعوات مجتمعية متعددة ومتضاربة، فإن سبب ذلك كله هو ضياع القدس، الذي أتى معه بكل موبقات الحكم والحكّام، وبكل تشوّهات المجتمع وبنيته الفوقية .
الهزيمة لا تأتي دفعة واحدة، إنها تتراكم حتى تفيض بأبغض وأسوأ النتائج. والنصرُ تطهير وتطهّر. عملية النصر هي الأتون الذي يذيب ما ترهّل وما خبث وما زاد عن الحاجة .
وإن خطابنا الثقافي العربي مدعوٌّ اليوم إلى تحديد أولوياته وتحديد أعدائه، فالعدو ليس الخصم الداخلي او المختلف مهما بلغت درجة الاختلاف معه ، وهو بالتاكيد ليس من لم نتفق وإياه على مسألة فقهية هنا أو تفصيل هناك ، وليس هو من لم يشاطرنا رؤيتنا الفكرية. والصديق ليس هو من يلوّح لنا بالجنّة على الأرض، وليس هو من يريد إقناعنا بحريّات ضيقة تقوم على الطائفة أو العِرق، وليس هو أيضا من يموّل مشاريع تخدمه أصلاً وتدمّرنا بالتدريج الممل.
إن عدونا واضح وصديقنا كذلك. ولكن من قال إن عملية تحديد الأعداء والأصدقاء سهلة في ظل هزيمه تغطّينا جميعاً ؟.
إن خطابنا الثقافي اليوم، وارتباط معظمه بالمؤسسة الرسمية، يجعل منه ظِلاً باهتاً غير اصيل أو مقنع ، ولهذا يدخل في معارك متوهّمة، ويساجل على أراضٍ بعيدة وتختلط عليه وجوه الاعداء والاصدقاء.
إن هذا الخطاب الذي تقع عليه مسؤولية التنمية والتحرر والتحرير، والذي لا يستطيع الفكاك من ازدواجية دوره الاجتماعي ودوره التحرري، يجد نفسه، كلما تقدم الزمن، بيتعد أكثر فأكثر عن الانشغال بالقضية المركزية الأم، بسبب هزائم النخب السياسية والاقتصادية، وانجرارها وراء مخططات أكبر منها، أو انسجامها مع الإشتراطات المريبة .
مرّة اخرى تواجهنا الهزيمة التي تدعونا الى الإنغماس في العبث واللاجدوى، أو التهالك على حلول فنية وثقافية أسهل كالنصوص التي تصطدم بالحائط. ولعل نظرة واحدة على ما يُنشر او يُبث سيرينا حجم الفجيعة من جهة، والهزيمة من جهة اخرى .
إن نكبة فلسطين ونكستها وضياع قدسها، لم تقع على كاهل الشعب الفلسطيني فحسب، بل إن الحملة الغربية الجديدة توزّعت على منطقتنا العربية، فجعلت في كل قطرٍ نكبة، وفي كل أمة جديدة مُغايرة نكسة، وانشغل كلُّ اصحاب نكبة بنكبتهم، ونكسة بنكستهم. ولهذا فإنني أرى أن تأبيد الكلام عن مفهوم النكبة أو الاقتلاع أو الاحتلال هو تأبيد الاتهام لعقلية الغطرسة والعنجهية والعنصرية .
إن نكبتنا ونكستنا جميعا ليست بضياع الأرض فقط، وإنما بالتأخر والتخلف والتصحر والتوترات العرقية والإثنية والمذهبية والفجوات بين النخب والجماهير وتراجع العلم والمعرفة والنشر، وتواري الخطاب الثقافي الفوقي الى مناطق الظل والمُعتم والذاتي والإيروتيك والهمس، والى العُري والتغريب والعدمية .
إن تعميم مفهوم النكبة أو النكسة وتأبيده وتحويله الى ندبة أخلاقية في جبين العالم لا يعني أبداً الدموع أو التذكّر أو التعلّق برموز النوستالجيا المرضيّة، بل مواجهة الهزيمة وأسبابها ومقوماتها ودراستها، والتخلّي عن أدوار الفرسان والحالمين. وكأني لا أتحدث هنا عن واقعية المهزومين أو منطقهم الطيّع المرن ! بل أتحدث عن واقعية القراءة والتحليل، وواقعية الحلول المؤسَسة على إرادة صادقة بتجاوز الهزيمة ومسبباتها وشروطها. الواقعية ليست عيبا إلا اذا كانت ذريعة لجعلنا ضحايا سلبيين، أو إذا كان منشأها قلب جبان أو فكر متعاون .
إن تعميم مفهوم النكبة بكل مستوياتها على العالم، وجعله مفهوماً يخجل منه اؤلئك الذين يريدون تعليمنا الديموقراطية والجِنْدر وحقوق الانسان، ويربك أولئك المؤمنين بنظريات الأعراق وسباق الديانات وصراع الحضارات، يعني أن نقوم جميعاً بتحويل ذكرياتنا الى أفعال حقيقية، وتحويل دموعنا الى خطط، وقلب مفاهيمنا الثقافية من مجرد المشابهة والتقليد، لنيل الرضى، الى أهداف تنبع من واقعنا لتخدم واقعنا.
المهزوم أو المنكوس يقلّد فلا يجيد ولا يصيب ولا يصل، والمنكوب المهزوم يفقد أهدافه، ولا يحترم حتى ذكرياته ولا يقدسها. ولكننا في فلسطين، ذلك الشعب الصامد المرابط، لا يعيش ذكرياته فقط ، وإنما عليه ان يواصل صنع تاريخه حتى يتجلّى كاملا على ارضه، أي أن يعيش تاريخه ويكتبه في آن واحد .
إن الخطاب الثقافي- مهما تعددت اشكاله ومضامينه – لا يعني شيئا دون الجهد والعمل، لأنّ الثقافة، في تعريفها الأخير، هي العمل والتفاعل، بهدف تكريس الثوابت وحراسة الأحلام والتطلعات الكبرى والقيم المطلقة، وتأصيل مدارك الأجيال الطالعة بكل ذلك، عبر المؤسستين الرسمية والأهلية، وما يُنتج الفرد والمجتمع من خطابٍ و أفكار ومعارف .
وإن خطاباً ثقافيا اختار أن يقف على الرصيف، فإنه بالتأكيد لن يستطيع إدراك الماضي وتحديد المخاطر والانتصار عليها،لأنه ببساطة توقف عن العقل والعمل. وخطابنا الثقافي العربي والإسلامي – مع استثناءات قليلة – يشبه حالتنا المنكوبة ، ولا يختلف عن واقع نكستنا كثيراً . بمعنى أن فعل الغرب الاستعماري، الهادف إلى بقائنا في حالة ضياع وتشظية وعدمية وجهل واستلاب وتغريب وصدام، قد نجح إلى حدّ كبير، ليس لأنه استراتيجي ومتواصل وشمولي ومدعوم فحسب، بل لأننا لم نخلق النظرية القادرة على خلق فعل أكبر لاستيعاب ومواجهة تلك الاستراتيجية، وأعني على الأقل، خلق فعل ثقافي فكري يكون قادراً على تعرية المؤامرة ومكوناتها وأطرافها، وتأصيل وإنهاض عوامل البقاء والوحدة والهوية والانتماء والحضور، على أرض التعددية الطبيعية التي تُثري، وعلى مبدأ التجريب والحداثة المتصلة بالأصل والجذر، ومن منظور النقد باعتباره حالة دائمة وهدفاً تصحيحياً، بعيداً عن الإعدام أو الإتهام أو الوقوع في مقولات الإستشراق، أو تبني الأفكار الجاهزة أو المعدّة سلفاً .
غير أننا نرى أن حالة الوعي العام المخزون في شوارع محيطنا العربي، والآتية من ثورة الإتصالات والمعرفة والقمع والإحتلالات والنهب، قد إرتفع منسوبها، وصرنا نلاحظ بعض الإشارات التي توحي بأن شعوب أمّتنا باتت تدرك المعادلة جيداً، وبأن نتوءات إنفجارها تنبئ بأن إنقلاباً كبيراً سيشهده الشارع العربي، ولو بعد حين.

اكمل القراءة
Advertisement
اضغط للتعليق

أترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *